النسخة الكاملة

هــل تــراجــع الــدور السياسـي للنقابات المهنية ؟

الخميس-2026-02-26 10:06 am
جفرا نيوز -

شهد العمل النقابي المهني في المملكة تحوّلًا لافتًا في أولوياته، مع تركيز متزايد على خدمة المنتسبين، واستدارة كبيرة نحو «المهنية» وتركيز النقابات على معالجة قضاياها الداخلية والمهنية مع تزايد من جهودها للحفاظ على صناديقها المالية وخاصة (التقاعدية). وباستمرار وليس جديدا أن يطرح هذا التحول تساؤلًا مشروعًا: هل كان كل ذلك على حساب ادوار النقابات السياسية التقليدية، أم أن هذا الدور ما يزال قائمًا لكن بأدوات مختلفة؟.

يرى مراقبون ان التأثير السياسي للنقابات انتقل إلى ساحات أخرى كمجلس النواب والأحزاب عبر نقابيين شغلوا ويشغلون مواقع نيابية وحزبية وتبوأوا فيها مراكزا متقدمة.

ولا يعد الفضل في ذلك للنقابات فحسب بل إن بعض الأحزاب التقليدية والحديثة ساهمت إلى حد كبير في صناعة شخصيات نقابية وازنة، وكانت المنفعة من النقابات والأحزاب متبادلة في إيصال شخصيات نقابية إلى مواقع عامة منتخبة.

إلا أن الوصول للمواقع القيادية ليس المهم، بل الأهم هو أن الدور السياسي للنقابات لا يزال حاضرًا، بالنسبة لنقباء ونقابيين.

رئيس مجلس النقباء نقيب المحامين يحيى أبو عبود أكد في سياق حديثه لـ:» الدستور «  إن النقابات المهنية لطالما وازنت بين أدوارها النقابية والمهنية من جهة، وأدوارها السياسية من جهة أخرى، مؤكداً أنها كانت على الدوام تقف إلى جانب القضايا العادلة، وتدافع عنها، وتقدم رؤيتها ومقترحاتها إلى الحكومة والجهات المعنية.

ورغم إقرار أبوعبود بأن التحديات المالية والمهنية المتزايدة التي تواجهها النقابات في المرحلة الراهنة قد تكون سبباً في عدم بروز أدوارها السياسية بالشكل الذي كانت عليه في فترات سابقة، إلا أنه أكد أن ذلك لم يمنعها من الاستمرار في أداء واجبها الوطني، والوقوف إلى جانب الوطن وقضايا الأمة.

فالنقابات، كما قال رئيس مجلس النقباء، دعمت الموقف الأردني السياسي والإنساني حيال الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة، مؤكداً أن مواقفها جاءت منسجمة مع الثوابت الوطنية ومعبّرة عن وجدان منتسبيها.

وما زالت النقابات بصفتها بيوت خبرة وتحظى بثقة منتسبيها والمجتمع، كما يقول أبوعبود، مؤهلة دائماً للقيام بأدوارها المهنية والنقابية والوطنية، رغم اختلاف الظروف والتحديات الداخلية والخارجية، مشدداً على أنها ستبقى دوماً في صف الوطن والمواطن.

الدور السياسي للنقابات لم يعد قائمًا على نمط «المعارضة» التقليدية، بل بات يرتكز على تقديم الرأي الفني والحلول العملية في القضايا الوطنية وفقا لنقيب المهندسين الأردنيين المهندس عبدالله غوشة.

فالنقابات بحسب  قوله لم تعد تمارس دورها بالمفهوم التقليدي، بل دخلت مرحلة إعادة صياغة شاملة لمفهوم العمل النقابي، مع الحفاظ على المبادئ الأساسية التي أنشئت من أجلها، وفي مقدمتها حماية المنتسبين وتطوير المهنة، إلى جانب دور وطني وسياسي مستمر ولكن بأدوات مختلفة.

وتركز النقابات على كونها «بيوت خبرة» حيث تبدي نقابة المهندسين مواقف واضحة من ملفات الطاقة والمياه والنقل الوطني، وارتفاع فواتير الكهرباء، وقضايا الانهيارات الإنشائية، مقدمةً رأيًا فنيًا يستند إلى الاختصاص، ويهدف إلى خدمة الدولة والمواطن في آنٍ معًا.

وقال غوشة لـ» الدستور « : إن النقابة جزء من المنظومة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وتسهم في تحديثها من خلال مقترحات عملية، بدل الاكتفاء بإطلاق مواقف سياسية عامة.

وفي إطار إعادة ترتيب البيت الداخلي، تعمل النقابة – بحسب غوشة – على ثلاثة محاور رئيسية: التحول الرقمي والأتمتة لمواكبة متطلبات الثورة الصناعية الرابعة، وتسهيل الخدمات المقدمة للمنتسبين، وتعديل التشريعات بما ينسجم مع المتغيرات العالمية، ويعزز موقع النقابة ضمن المنظومة الفنية والاقتصادية للدولة.

كما تعمل النقابة على استدامة الصناديق المالية: من خلال إعادة النظر بالحلول التي تضمن ديمومتها في ظل التحديات الاقتصادية.

يرى مراقبون أن جزءًا من الحضور السياسي للنقابات انتقل إلى فضاءات أخرى، لا سيما مع انخراط عدد من النقابيين في العمل الحزبي والنيابي، ما عزز حضورهم داخل قبة البرلمان والأطر الحزبية. إلا أن ذلك لا يعني غياب الدور الوطني للنقابات، بقدر ما يعكس إعادة توزيع للأدوار ضمن المشهد السياسي العام.

وفي هذا السياق، يقرّ غوشة بأن النقابات ربما مارست في مراحل سابقة أدوارًا لم تكن من صميم اختصاصها، لكن المرحلة الراهنة تتطلب تركيزًا أكبر على الوظيفة المهنية والفنية، مع استمرار الانخراط في القضايا السياسية من زاوية تخصصية.

اما الدور الاساسي للنقابات هو تطوير مهنها وخدمة منتسبيها والدفاع عنهم وتوفير الحماية لهم بحسب نقيب الصحفيين طارق المومني، ورغم ذلك ما زال للنقابات دور وطني تعبر عنه ليكون ممثلًا للأغلبية من منتسبيها، اذ نرى احيانًا مواقف في مختلف القضايا السياسية.

ويبدو أن بعض النقابات أخذت على عاتقها مسؤولية إعادة ترتيب بيتها الداخلي ومعالجة الكثير من المشكلات التي تعاني منها، فضلًا عن مسألة توفير الخدمات والمكتسبات للأعضاء، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي نعيشها، ذلك ان هذه الأمور فرضت نفسها على مجالس النقابات، وحدت من الدور السياسي كما قال المومني.

ويضيف أنه يمكن القول إن تأسيس الأحزاب ساهم إلى حد ما من تقليل الدور السياسي للنقابات، خصوصًا أن الانتخابات النيابية الأخيرة شهدت حضورًا للأحزاب بعد تخصيص عدد من المقاعد سواء على القائمة الحزبية أو خوض الانتخابات بشكل مستقل، وهناك عدد من النقابيين الذين يساهمون في أداء دور سياسي ووطني منحه إياه القانون.

فالأساس أن التفويض الذي يأخذه مجلس النقابة من أعضاء الهيئة العامة هو تفويض مهني وليس سياسيا وفقا للمومني؛ اذ يعبر المجلس عن المنتخبين في الإطار المهني خصوصًا أن في كل النقابات منتسبين للأحزاب المختلفة الوسطية واليسارية واليمين، والتعبير عن ذلك يكون من خلال الأحزاب وليس النقابات.

في المحصلة تنفي النقابات تخلّيها عن دورها السياسي، لكنها أعادت تعريفه. فبين خدمة المنتسبين، وضبط البيت الداخلي، والمشاركة الفنية في القضايا الكبرى، تتجه النقابات إلى نموذج يقوم على التأثير عبر الخبرة لا الشعارات، وعلى الحضور المؤسسي لا الاصطفاف السياسي التقليدي.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح هذه المقاربة في تحقيق التوازن بين البعد المهني والدور السياسي، أم أن التحولات السياسية والحزبية ستعيد رسم حدود جديدة للعمل النقابي في المرحلة المقبلة؟.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير