جفرا نيوز -
خالد مفلح البداوي
الفكر ليس رفاهية، ولا ترفاً ثقافياً يُمارس في أوقات الفراغ، بل هو البوصلة التي تحدد اتجاه الإنسان والمجتمع معاً. فحيث يكون الفكر حراً ومسؤولاً، تكون النهضة ممكنة، وحيث يُقيَّد أو يُشوَّه، يتعثر الطريق مهما كثرت الشعارات.
حرية الفكر لا تعني الانفلات، ولا تعني مصادمة الثوابت لمجرد الصدام، بل تعني أن يُتاح للإنسان أن يسأل، أن يبحث، أن يناقش، وأن يُعبّر دون خوف أو وصاية. فالأمم لا تتقدم بالصوت الواحد، بل بتعدد الأصوات التي يجمعها هدف البناء.
حين تُغلق أبواب التفكير، يتحول الإنسان إلى متلقٍ فقط، يستهلك ما يُقدَّم له دون تمحيص. أما حين تُفتح، فإنه يصبح شريكاً في صناعة المعنى، قادراً على التمييز بين الرأي والحقيقة، وبين المعلومة والشائعة، وبين النقد المسؤول والهجوم العبثي. وهنا تبدأ أولى خطوات النهضة.
حرية الفكر تبدأ من البيت، عندما يُسمح للطفل أن يسأل دون أن يُوبَّخ، وأن يُناقش دون أن يُتهم بقلة الأدب. تمتد إلى المدرسة، حيث يكون المعلم موجهاً لا مُلقِّناً، وإلى الجامعة حيث يصبح البحث ممارسة حقيقية لا مجرد عنوان. ثم تتجسد في مجتمع يحتضن التعدد ولا يخشاه.
ليست المشكلة في اختلاف الآراء، بل في الخوف من الاختلاف. فالفكرة لا تهدم وطناً، بل الجهل هو من يفعل. والحرية بلا وعي فوضى، كما أن الوعي بلا حرية جمود. وبين الفوضى والجمود تضيع فرص كثيرة كان يمكن أن تصنع تحولاً حقيقياً.
إن مسؤولية النهضة لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، بل تبدأ من الفرد. من قدرته على التفكير النقدي، وعلى احترام الرأي الآخر، وعلى تحويل الحوار إلى مساحة فهم لا ساحة صراع. فحين يشعر الإنسان أن رأيه مسموع، يصبح أكثر التزاماً، وأكثر انتماءً، وأكثر حرصاً على البناء لا الهدم.
حرية الفكر ليست شعاراً يُرفع، بل ثقافة تُمارس. وهي مسؤولية قبل أن تكون حقاً. فإذا أحسنّا استخدامها، كانت جسراً نحو التقدم، وإذا أسأنا فهمها، تحولت إلى عبء.
وبين أمة تتقدم وأخرى تتراجع، يبقى الفارق في عدد العقول التي تجرؤ على التفكير… وتتحمل مسؤولية ما تفكر به