النسخة الكاملة

هل يعصف تصاعد إفلاس الشركات بالنموذج الصناعي الألماني؟

السبت-2026-02-14 01:48 pm
جفرا نيوز -
تبدو موجة إفلاس الشركات في ألمانيا، في ظاهرها، انعكاسا لدورة اقتصادية ضاغطة تمر بها أكبر قوة صناعية في أوروبا، غير أن التمعن في طبيعة القطاعات المتضررة، وتزامنها مع تحولات الطاقة والتجارة العالمية، يكشف أن المسألة تتجاوز التقلبات الظرفية، لتشكل إعادة اختبار للنموذج الصناعي الألماني ذاته.

وتشير بيانات مكتب الإحصاء الاتحادي الألماني إلى أن حالات إفلاس الشركات ارتفعت بنسبة 15.2% على أساس سنوي في ديسمبر/كانون الأول 2025، فيما سجل شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي 2108 حالات إفلاس بزيادة 4.8% مقارنة بالفترة نفسها من 2024. وتصدرت أنشطة النقل والتخزين والضيافة القطاعات الأكثر تضررا، في دلالة على هشاشة الأنشطة المرتبطة بالطلب المحلي، وكثافة التكاليف التشغيلية.

وبلغ إجمالي الديون المرتبطة بملفات الإفلاس في ألمانيا نحو 2.6 مليار يورو إلى نهاية العام الماضي، مقارنة بـ3.8 مليارات يورو في الفترة المماثلة من 2024، ما يعكس أن شريحة متزايدة من الشركات المتعثرة تنتمي إلى فئة المؤسسات الصغيرة، أو متناهية الصغر.

وتطرح هذه الأرقام سؤالا مركزيا: هل يعكس تصاعد الإفلاس اختلالا دوريا يمكن احتواؤه بسياسات تحفيزية، أم أنه مؤشر على تآكل تدريجي في قاعدة الإنتاج الألمانية؟





الشركات الصغيرة والمتوسطة

تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة بالنظر إلى أن أكثر من 99% من الشركات الألمانية، البالغ عددها نحو ثلاثة ملايين شركة، تندرج ضمن فئة الشركات الصغيرة والمتوسطة، المعروفة بنموذج "ميتسلشتاند" (Mittelstand) العائلي طويل الأمد.

وتظهر بيانات صادرة عن مزود الخدمات الرقمية "داتيف" تراجعا في مساهمة هذه الشركات الألمانية في الإيرادات والتوظيف والقيمة المضافة بين عامي 2018 و2023، مع انخفاض حصتها من الإيرادات إلى 26.2% ومن التوظيف إلى 53.3%.

ويؤكد الخبير في السياسات الاقتصادية إبراهيم محمد أن تراجع دور هذه الشركات ينعكس مباشرة على مرونة الاقتصاد الألماني، نظرا لدورها المحوري في الابتكار والتدريب المهني وسلاسل التوريد.

وأوضح محمد في تصريحات للجزيرة نت أن استمرار موجة الإفلاس قد يقود إلى ارتفاع البطالة، وتقلص برامج الدعم الاجتماعي، وتآكل القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.



خسارة تريليون يورو

تأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الضغوط، فقد قدر معهد الاقتصاد الألماني "آي دبليو" (IW) خسائر الاقتصاد الألماني بنحو تريليون يورو خلال ست سنوات نتيجة ثلاث صدمات رئيسية: جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، والرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب.

وتعادل هذه الخسائر نحو 20 ألف يورو للفرد الواحد، وهو مستوى لم يسجل، بحسب تقديرات المعهد، لا خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، ولا خلال فترات الركود في مطلع القرن الحالي. وقد أسهمت هذه الصدمات في دفع الاقتصاد الألماني إلى حالة ركود ممتد، مع عامين متتاليين من الانكماش، وتوقعات بنمو صفري تقريبا في 2025 وفق تقديرات المعهد نفسه.




الانكماش والتحول البنيوي

وحذر اتحاد الصناعات الألمانية من أن الاقتصاد الألماني يمر بـ "أعمق أزماته" منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، مشيرا إلى أن الإنتاج الصناعي يتجه لتسجيل عام رابع من الانكماش، مع توقع تراجع إضافي بنسبة 2% خلال العام الحالي.

ويعزى أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري هذا الانكماش الممتد إلى وقف استيراد الغاز الروسي منخفض التكلفة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتزايد المنافسة الصينية، فضلا عن الضغوط التجارية الأمريكية.

في المقابل، أظهرت بيانات الربع الرابع من 2025 ارتفاعا فصليا للإنتاج الصناعي بنسبة 0.9% مدفوعا بالطلب المحلي على السلع الرأسمالية، ما يشير إلى محاولة تعاف جزئي قائم على إعادة توجيه النمو نحو الداخل الألماني.

ويرى الساري في تصريح الجزيرة نت أن التحول الأعمق يتمثل في انتقال الصين من موقع "التلميذ الصناعي" إلى منافس يتفوق في قطاعات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والمعدات الصناعية. ويشير المتحدث نفسه إلى أن الشركات الصينية، المدعومة بسياسات صناعية وتمويلية مركزية، نجحت في تقليص الفجوة التكنولوجية، ما ضغط على هوامش الشركات الألمانية، خصوصا في قطاع السيارات.

ويبرز هذا التحول بوضوح في أداء شركات كبرى مثل فولكس فاغن ومرسيدس بنز، واللتين تواجهان تحديات في الحفاظ على الحصة السوقية في الصين وأوروبا، في ظل صعود المركبات الكهربائية منخفضة التكلفة.




الطاقة كعامل مفصلي

يمثل التحول في مصادر الطاقة عاملا حاسما في هذه المعادلة، فقبل الحرب في أوكرانيا، كانت الشركات الألمانية تستفيد من إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب بتكلفة منخفضة. غير أن العقوبات الأوروبية على روسيا دفعت برلين إلى التحول نحو الغاز الطبيعي المسال المستورد من الولايات المتحدة وغيرها، بتكاليف لوجستية وسعرية أعلى، ما رفع تكلفة الإنتاج الصناعي بصورة ملموسة.

ويشير الساري إلى أن هذه الزيادة في تكاليف الطاقة، إلى جانب ارتفاع الضرائب والرسوم التنظيمية، خلقت بيئة أقل جاذبية للاستثمار الصناعي، مقارنة بمنافسين آسيويين مدعومين بسياسات صناعية أكثر مرونة.




سيناريوهات متوقعة

وتعكس الموجة الحالية لحالات إفلاس الشركات في ألمانيا مزيجا من العوامل الدورية والهيكلية. فمن جهة، تشير إلى تأثير مباشر لصدمات خارجية غير مسبوقة خلال فترة قصيرة، ومن جهة أخرى تكشف عن تحديات أعمق تتعلق بمرونة النموذج الاقتصادي الألماني، وقدرته على التكيف مع بيئة عالمية تتسم بالتقلبات المتسارعة.

ويتوقع الاقتصادي إبراهيم محمد أن يكون مسار الإفلاس خلال العامين المقبلين مرهونا بقدرة الحكومة الألمانية بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، على تنفيذ حزمة الاستثمارات التي أقرتها برلين بقيمة 500 مليار يورو لتحديث البنية التحتية وتقليص البيروقراطية.

ويضيف أن تحسن إمدادات الطاقة أو انتهاء الحرب في أوكرانيا قد يخفف الضغوط على ألمانيا، بينما استمرار الحروب التجارية قد يبقي معدلات الإفلاس عند مستويات مرتفعة، وإن "كانت أقل حدة من ذروة العامين الماضيين التي تجاوزت 40 ألف شركة".




ارتدادات واسعة

وفي السياق الاجتماعي، يرى الاقتصادي إبراهيم محمد أن استمرار موجة الإفلاس لا يقتصر أثره على المؤشرات المالية أو معدلات النمو الاقتصادي، بل يمتد إلى البنية الاجتماعية ذاتها. ويشير إلى أن معدلات الفقر في ألمانيا ارتفعت خلال الأعوام الثلاثة الماضية لتتجاوز 20% من السكان، مقارنة بأقل من 17% قبل نحو عقد، ما يعكس تآكل القوة الشرائية واتساع فجوة الدخل.

ويربط المتحدث نفسه بين تصاعد الفقر وتراجع جودة بعض الخدمات التعليمية والصحية، وازدياد التوترات الاجتماعية، واتجاه شريحة أوسع من الناخبين نحو الأحزاب اليمينية والشعبوية، وهو مسار يعتبره مهددا لدرجة الاستقرار السياسي والاجتماعي التي تمتعت بها ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.




تداعيات أوروبية

ولا يقتصر أثر الأزمة على ألمانيا وحدها، إذ يوضح محمد أن برلين تعد القاطرة الصناعية للاتحاد الأوروبي وأكبر مساهم في ميزانيته فهو صاحبة أكبر اقتصاد أوروبي. ويشير إلى أن أي تراجع في أدائها ينعكس مباشرة على اقتصادات فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، المرتبطة بسلاسل التوريد الألمانية، وعلى برامج الدعم الأوروبية التي تستفيد منها بعض الدول العربية.

ويخلص إلى أن استمرار الضغوط دون إصلاحات هيكلية عميقة قد يدفع القارة بأكملها إلى مرحلة تباطؤ أطول وأوسع نطاقا.

ويستحضر أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري تقريرا أعده رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق ماريو دراغي، دعا فيه أوروبا إلى تعزيز سياساتها الصناعية عبر دعم شركات التكتل لمواجهة المنافسة الأمريكية والصينية، وحذر دراغي من تحول القارة إلى سوق استهلاكية تعتمد على واردات منخفضة التكلفة دون قاعدة إنتاجية متينة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير