جفرا نيوز -
بلال ابوقريق خريسات
في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والإقليمية التي يواجهها الأردن اليوم، يفترض أن يكون الإعلام الوطني – وفي القلب منه التلفزيون الأردني – في حالة استنفار مهني وثقافي، يؤدي دورًا يتجاوز نقل الخبر إلى بناء الوعي العام وحماية السردية الوطنية. لكن الواقع يقول إننا أمام مؤسسة غائبة عن المشهد، أو حاضرة بلا أثر.
التلفزيون الأردني، الذي كان يومًا منبرًا وطنيًا ورافعة للدراما المحلية، يعيش اليوم حالة تراجع واضحة: محتوى ضعيف، خطاب تقليدي، وانفصال شبه كامل عن نبض الشارع، لا سيما فئة الشباب. هذا التراجع لا يمكن عزله عن أزمة إدارة ورؤية، حيث تبدو المؤسسة وكأنها تُدار بعقلية "تسيير الحال” لا بعقلية الدولة.
وهنا يفرض السؤال نفسه: ماذا أنجز رئيس مجلس الإدارة فعليًا؟
ما الذي يمكن وضعه في خانة الإنجاز سوى برامج سطحية تلهث خلف "الترند”، ومحتوى سوقي لا يليق بمؤسسة إعلام وطني، ودراما مشوّهة لا تعكس المجتمع الأردني ولا تاريخه ولا قيمه؟
بدل تطوير خطاب إعلامي عصري ومسؤول، جرى تسطيح الشاشة وتحويلها إلى مساحة استهلاكية بلا رسالة، وكأن المطلوب هو ملء الوقت لا صناعة المعنى. الأخطر من ذلك أن هذا الانحدار لم يُقابل بأي تقييم أو محاسبة علنية، ما يفتح الباب أمام سؤال أكبر: من المسؤول؟
هل هي إدارة بلا رؤية؟
أم مجالس شكلية لا تراجع ولا تحاسب؟
أم حكومة تتعامل مع الإعلام بوصفه ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله؟
الحديث عن دعم شخصي من عدمه ليس جوهر المشكلة، فالأزمة أعمق من فرد. نحن أمام غياب إرادة إصلاح حقيقية لملف الإعلام الرسمي، والتعامل معه كعبء إداري لا كأداة سيادية. في زمن أصبحت فيه الكلمة والصورة سلاحًا، لا يجوز أن يُدار الإعلام بعقلية الحد الأدنى.
أما الدراما الأردنية، فهي الخاسر الأكبر. هذه الدراما التي كانت يومًا ما قوة ناعمة للأردن وحضورًا عربيًا لافتًا، تُركت اليوم بلا دعم وبلا خطة وبلا ثقة. والتلفزيون الرسمي، بدل أن يكون حاضنة للمبدعين، أصبح عاجزًا عن أداء دوره، مكتفيًا بالمشاهدة من بعيد بينما تُهمَّش الكفاءات المحلية.
اليوم، هذا السؤال لم يعد موجّهًا للرأي العام وحده، بل يُفترض أن يجيب عليه رئيس الوزراء ووزير الاتصال الحكومي. فهما المسؤولان سياسيًا وأخلاقيًا عن ملف الإعلام الرسمي، وعن من يديره، وعن ما يُبث باسم الدولة الأردنية.
الصمت لم يعد موقفًا محايدًا، وتجاهل هذا التراجع ليس إدارة أزمة بل مشاركة فيها. إما أن هناك قناعة بما يُقدَّم، وعندها تكون المشكلة أكبر، أو أن هناك عجزًا عن المحاسبة، وهو أمر أخطر.
الإعلام الوطني ليس ترفًا، ولا ملفًا يمكن تأجيله.
وعندما يغيب الإعلام، يملأ الفراغ الآخرون… وغالبًا لا يفعلون ذلك لصالحنا.