النسخة الكاملة

هل تفعلها السعودية بعبقرية جيواستراتيجية لتحويل الجغرافيا من عبءٍ تاريخي إلى أداة سيادة

الثلاثاء-2026-01-20 10:39 pm
جفرا نيوز -


البرفسور عبد الله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

لم تكن الجغرافيا يومًا قدرًا صامتاً، بل كانت دائمًا امتحاناً للعقل السياسي. فالأمم التي أحسنت قراءة المكان صنعت التاريخ، وتلك التي تعاملت معه كحقيقة جامدة وجدت نفسها أسيرة خرائط الآخرين. اليوم، في لحظة عالمية تتآكل فيها سلاسل التوريد، وتتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط وابتزاز جيوسياسي، تأتي فكرة مشروع جيواستراتيجي عربي، لربط مواني الخليج العربي بمواني البحر المتوسط عبر قناة مائية استراتيجية (Strategic Corridor Canal)، ومتكامل مع مشروع طريق الازدهار من الهند إلى أوروبا. قد يعتقد البعض بان الفكرة خيالية، الا انننا نعش في عالم، كل ما كان يعتقد بانه خيال، أصبح حقيقة.

فكرة المشروع لا تُقاس بطوله أو كلفته، بل بقدرته على إعادة تموضع العرب في قلب النظام الاقتصادي العالمي، ونقلهم من أطراف تتلقى الصدمات إلى مركز يصنع البدائل. إنه انتقال من الجغرافيا المنفعلة إلى الجغرافيا المبادِرة، ونقل الاقتصاد من مسار عبور إلى مسار سيادي.

ولا تكتمل قراءة عبقرتيه الجيواستراتيجية من دون التوقف عند أرقامه الصلبة. فالمسار البحري التقليدي بين الخليج العربي والبحر المتوسط يمتد اليوم حوالي 6500 كيلومتر، بزمن نقل قد يصل الى 10 ايام، وتكلفة شحن وتأمين تتضخم مع كل توتر في المضائق الجنوبية. في المقابل، يختصر الممر الخليجي المتوسطي المقترح المسافة إلى ما يقارب 25 من اجمالي المسافة، ويخفض زمن النقل إلى أيام فقط، بما يعني تقليصاً يتجاوز 60% في الزمن ونحو 40% في الكلفة اللوجستية، فضلًا عن تقليص كلف التأمين التي تقفز عادة في أوقات الأزمات.

هذا الفارق لا يمثل تحسينًا تقنيًا، بل إعادة صياغة لقواعد التجارة العالمية، ومنح سلاسل التوريد مرونة غير مسبوقة في عالم باتت فيه الجغرافيا السياسية عنصرًا مباشرًا في تسعير السلع، ويعمل على تحوّل الصحراء العربية من فراغ جغرافي إلى مسار سيادي آمن.

لا يسعى المشروع إلى استبدال الممرات البحرية القائمة، ولا إلى منافسة قناة السويس، بل إلى تقديم بديل استراتيجي تكاملي يعيد توزيع المخاطر، ويمنح التجارة العالمية متنفساً، أقل عرضة للاختناقات العسكرية والسياسية. فالتاريخ لم يُكتب يومًا بمسار واحد، بل بتعدد الخيارات.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية ودول الخليج، يمثل المشروع انتقالًا نوعيًا من أمن يعتمد على بحار مزدحمة وممرات قابلة للاختناق، إلى أمن يستند إلى عمق عربي داخلي. فربط الخليج مباشرة بالبحر المتوسط يمنح هامش مناورة استراتيجيًا، ويقلل الاعتماد على ممرات خاضعة لتوازنات دولية متقلبة، من دون إلغائها أو منافستها.

في هذا السياق، لا تظهر المملكة العربية السعودية، ممولًا أو شريكًا ماليًا فحسب، بل عقلًا جيواستراتيجيًا، يقود المشروع وقادرًا على تحويل الفكرة إلى واقع تاريخي. فالسعودية لم تعد دولة نفط بالمعنى التقليدي، بل دولة تعيد تعريف مفهوم القوة، من امتلاك الموارد إلى هندسة المسارات التي تعبرها تلك الموارد. وتمتلك المملكة مزيجًا نادرًا من القدرة المالية، والعمق الجغرافي، والاستقرار السياسي، والرؤية التحولية طويلة الأمد، ما يجعلها المؤهلة طبيعيًا لقيادة مشروع بهذا الحجم، كمبادرة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية.

ويشكّل شمال السعودية الحلقة الذهبية للمشروع، مع مناطق قابلة للتحول إلى أقاليم صناعية ولوجستية وزراعية جديدة، مرتبطة بشبكات سكك حديدية وموانئ متكاملة، بما يعزز رؤية المملكة في تنويع مصادر القوة. فحين تستثمر السعودية في ممرات التجارة، فهي لا تبني طرقًا، بل تبني نفوذًا ناعمًا مستدامًا، وتنتقل من موقع المتأثر بتقلبات الجغرافيا السياسية إلى موقع صانع البدائل.

كما يتيح المشروع إدماج محطات تحلية للمياه، تعمل بالطاقة الشمسية والغاز على امتداد الممر، لتحويل مساحات صحراوية إلى فضاءات زراعية وسكنية منتجة، ودعم الأمن الغذائي، بما يجعل التنمية أكثر توازنًا واستدامة، ويرفع كلفة أي تهديدات جيوسياسية محتملة.

بهذا الدور، تنتقل المملكة من موقع الدولة المؤثرة إلى موقع الدولة المُشكِّلة للمسار، ومن تصدير النفط إلى تصدير الاستقرار، ومن قراءة الخرائط إلى رسمها. وتصبح بذلك الدولة التي تهندس الجغرافيا، وتعيد تشكيل مفهوم الأمن الإقليمي، والضامن له.

في هذا المشروع، لا يكون الأردن مجرد أرض عبور، بل دولة التزام. التزام تُجسّده القيادة الهاشمية بوصفها الضامن التاريخي للاستقرار، وحارس التوازنات في منطقة تعيش على حافة التحولات. فالأردن، بقيادته، التي راكمت شرعيتها بالفعل لا بالشعار، يقدّم للمشروع ما لا تستطيع الجغرافيا وحدها أن تمنحه، استمرارية القرار، وموثوقية الدولة، ووضوح البوصلة.

والدولة الأردنية، بقيادتها، قادرة على توفير إطار سيادي وتشريعي خاص بالممر، يحمي الاستثمارات، ويمنحها حصانة الاستقرار بعيدًا عن تقلبات السياسة قصيرة النفس. كما تلتزم بتأمين المسار الأردني بوصفه مرفقًا سياديًا إقليميًا، عبر نموذج أمني احترافي يقوم على الاستقرار الوقائي وإدارة المخاطر، لا العسكرة وردود الفعل، مستندًا إلى خبرة أردنية طويلة في حماية الحدود والممرات الحساسة.

ويمكن للأردن ان يضع كامل قدرته الإدارية والمؤسسية في خدمة المشروع، من خلال إنشاء مناطق اقتصادية ولوجستية خاصة، وإدارة تشغيل مشتركة مع الشركاء، ونوافذ استثمار موحّدة تساهم برفع كفاءة التنفيذ. ويقدّم رأس ماله الحقيقي، الإنسان الأردني، من مهندسين وخبراء، قادرين على المشاركة بإدارة مشروع بهذا الحجم بوصفه منظومة سيادية، لا مجرد بنية تحتية.

وفي بعده الأعمق، يقدّم الأردن ما لا يُشترى بالمال، القدرة على أن يكون نقطة التقاء لا ساحة صدام. فبفضل قيادته، يحظى الأردن بقبول إقليمي ودولي نادر، يمكّنه من لعب دور العقدة الجيواستراتيجية التي تضمن انسيابية المصالح وتوازنها وحمايتها. هنا، لا تعبر القناة الأراضي الأردنية فحسب، بل تمر عبر دولة تعرف كيف تحوّل الاستقرار إلى أصل سيادي. فالاستقرار الأردني ليس تفصيلًا تقنيًا، بل قيمة استراتيجية، وشرطًا بنيويًا لنجاح أي مشروع إقليمي.

اقتصاديًا، يفتح المشروع أمام الأردن آفاق التحول إلى مركز لوجستي إقليمي، وعقدة للصناعات التحويلية، ومحور لعبور الطاقة التقليدية والمتجددة، وربما الهيدروجين الأخضر، إلى جانب محطات تحلية تنهي أزمته المائية، وتدعم الأمن الغذائي، وتخلق عشرات الآلاف من فرص العمل، ما يحول الصحراء إلى فضاء للإنتاج.

ان مثل هذا المشروع، يمنح الأردن قوة في هندسة الفرص. فهو لا يضيف للأردن طريقًا جديدًا، بل يضيف له وظيفة تاريخية طالما امتلك مقوماتها ولم تُفعّل.

إذا كان الخليج يمثّل الثروة، والمتوسط يمثل السوق، فإن الأردن يملك الموقع الجغرافي الذي يصل بينهما. ومتى أدركت الدول العربية قيمتها الجغرافية، تغيّر وزنها في العالم.

ولا يمكن قراءة المشروع بمعزل عن التناغم التاريخي بين القيادتين السعودية والأردنية، وكذلك مع القيادات الخليجية قاطبة، القائمة على الثقة والاحترام المتبادل، وتكامل الأدوار. فالسعودية والخليج عمق اقتصادي وسياسي للأردن، والأردن عمق جغرافي وأمني للسعودية وللخليج، ما يجعل هذا التلاقي ركيزة بنيوية في هندسة مستقبل الاقليم.

أما دول ساحل المتوسط، فهي حلقة أساسية في شبكة الربط العربية، وبوابة طبيعية نحو أوروبا. وخاصة إذا عبر المشروع الأراضي السورية، فانه يتيح تنشيط قطاعات النقل والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية فيها، وعيد دمج الاقتصاد الإقليمي في سلاسل القيمة العربية والدولية، بما يحوّلها من ساحة أزمات، ومصدرة لها، إلى نقطة جذب استثماري، ومحرك لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

قد تبرز مخاوف محتملة لدى مصر تتعلق بقناة السويس، إلا أن هذا القلق غير دقيق. فالمشروع لا يسعى لاستبدال القناة، بل لتشكيل شبكة دعم تكاملية، ويزيل المخاوف الاستراتيجية الناتجة عن الازمات الجيوسياسية في جنوب البحر الأحمر، وترفع القدرة على إدارة المخاطر اللوجستية والتجارة العالمية. مصر بكل تأكيد ستكون شريكًا استراتيجيًا عبر الربط البري والسككي، وتحويل موقعها كمركز عبور متعدد المسارات، ويزيد من الاعتماد العالمي على خبرتها وموانئها. هذا النهج يجعل القاهرة محورًا رئيسيًا في تصميمه وتنفيذه، ويحول أي قلق إلى فرصة.

كلما تشابكت المصالح الاقتصادية، ارتفعت كلفة الصراع وتراجعت شهية الفوضى. المشروع لا يربط أراضي فحسب، بل ينسج شبكة مصالح تجعل الاستقرار خيارًا عقلانيًا. استقرار المشرق مصلحة خليجية، واستقرار الخليج مصلحة متوسطية، فتتحول الجغرافيا من ساحة صراع إلى أداة ردع ناعم.

وعند جمع هذه الأبعاد، تتضح الكلفة التقديرية للمشروع، البالغة حوالي 150 مليار دولار (البنية التحتية للقناة، ومحطات تحلية ونقل مياه، ومناطق لوجستية وصناعية)، لا بوصفها عبئًا استثماريًا، بل تأمينًا سياديًا طويل الأمد، يقل كثيرًا عن كلفة الأزمات المتكررة مع كل توتر جيوسياسي. وهو بالتالي يجعل من الجغرافيا العربية، عنصر حماية لا مصدر قلق.

ان مثل هذه الكلفة المالية، لا تقدر بالقيمة الثورية للمشروع في النقل والبعد المائي، فمحطات تحلية المياه، قد تنتج ما بين 3 و5 مليارات متر مكعب سنويًا، وتكون قادرة على ري ما يقارب 4 ملايين دونم، ودعم احتياجات ما بين 20 و35 مليون نسمة. هنا تتحول القناة من شريان تجارة إلى شريان حياة، وتغدو الصحراء جزءًا من معادلة الإنتاج الغذائي في منطقة تستورد أكثر من ستين بالمئة من احتياجاتها الغذائية.

ربط الخليج العربي بالبحر المتوسط ليس مشروع بنية تحتية، بل مشروع وعي استراتيجي في زمن التكتلات الكبرى، وانتقال من الجغرافيا المستهلكة والمنفعلة، إلى الجغرافيا المبادرة والصانعة. وإذا ما نُفّذ، فلن يغيّر مسارات التجارة فحسب، بل سيعيد تعريف موقع العرب في العالم، وتصنع الاستقرار وتحمي المستقبل.

 

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير