النسخة الكاملة

توتر جيوسياسي يعمّق القطيعة بين روسيا ومولدوفا

الأحد-2026-01-18 03:43 pm
جفرا نيوز -
مع تصاعد التوترات السياسية في أوروبا الشرقية، لم تعد الخلافات بين الدول تقتصر على التصريحات الدبلوماسية، بل باتت تنعكس بشكل مباشر على تفاصيل الحياة اليومية، وفي مقدمتها حركة السفر والتنقل. وفي هذا السياق، تتكشف ملامح أزمة متنامية بين روسيا ومولدوفا، تعكس عمق الخلافات السياسية والجيوسياسية بين الجانبين.

وبدأت ملامح التصعيد مع إصدار وزارة الخارجية الروسية توصية رسمية دعت فيها المواطنين الروس إلى تجنب السفر إلى مولدوفا، مشيرة إلى ما وصفته بتزايد حالات التمييز والمضايقات غير المبررة وسوء المعاملة التي يتعرض لها الروس من قبل السلطات المولدوفية.

وقالت الوزارة، في بيان رسمي، إن القنصل الروسي يُمنع في كثير من الحالات من مقابلة المواطنين الروس المحتجزين، مؤكدة أن تقديم الدعم والمساعدة القنصلية أصبح شبه مستحيل في ظل القيود المفروضة.

وأضافت أن المشكلات تبدأ منذ الوصول إلى مطار العاصمة كيشيناو، حيث يخضع حاملو جوازات السفر الروسية لإجراءات تفتيش وُصفت بـ«المهينة»، مشيرة إلى أن السلطات المولدوفية تحتجز المواطنين الروس عمداً خلال عمليات التفتيش عند مغادرتهم البلاد، بما يؤدي إلى تفويت رحلاتهم الجوية.

ورغم الروابط التاريخية بين البلدين، تمر العلاقات الروسية-المولدوفية بأعمق أزمة لها منذ عام 1992، في ظل تصاعد التوترات على خلفية ما تعتبره موسكو سياسات منحازة للغرب تنتهجها كيشيناو، ودعمها لأوكرانيا، إلى جانب الخلافات المتعلقة بإقليم ترانسنيستريا والوجود العسكري الروسي فيه، فضلاً عن النزاعات المتراكمة في مجالي الطاقة والاقتصاد.

وتفاقمت هذه الأزمة مع التحول الجيوسياسي لمولدوفا، حيث تركز الحكومة بشكل متزايد على الاندماج مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك تقديم طلب رسمي للانضمام إليه، مقابل قطيعة شبه كاملة مع موسكو.

كما أسهم دعم مولدوفا لأوكرانيا، وحظر البث الإعلامي الروسي داخل البلاد، في تعميق مناخ انعدام الثقة والعداء، إلى درجة باتت معها روسيا تصنف مولدوفا «دولة معادية»، في حين تنظر كيشيناو إلى موسكو باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنها وسيادتها.

وفي ظل تدهور العلاقات الثنائية، تواجه مولدوفا أكبر عجز تجاري في تاريخها، بلغ نحو 6.4 مليارات دولار، أي ما يعادل قرابة ثلث اقتصادها، إلى جانب أزمات حادة في قطاع الطاقة، وتفاقم الأزمة السياسية المرتبطة بخطط الرئيسة مايا ساندو للتقارب مع رومانيا.

وتتهم السلطات المولدوفية قوى سياسية مرتبطة بعلاقات مع روسيا بالضلوع في أنشطة تخريبية، وبالحصول على «تمويل من موسكو».

وشهدت العلاقات بين البلدين مواجهة إعلامية حادة خلال الانتخابات البرلمانية الأخيرة في مولدوفا، حيث اتهمت موسكو السلطات بحرمان نحو 500 ألف مواطن مولدوفي مقيمين في روسيا من حق التصويت، بعد تخصيص مركز اقتراع واحد لهم وتوفير 10 آلاف بطاقة اقتراع فقط.

وفي هذا السياق، تراجعت نسبة المواطنين من أصول روسية في مولدوفا، باستثناء إقليم ترانسنيستريا، إلى ما بين 3.2% و3.4% من إجمالي السكان، مقارنة بـ4.1% عام 2014. ويُقدَّر عدد حاملي الجنسية الروسية في مولدوفا بنحو 220 ألف شخص، يقيم نحو 160 ألفاً منهم في إقليم ترانسنيستريا غير المعترف به دولياً.

ويرى الخبير في الشؤون الأوروبية أندريه كامكين أن أوضاع الروس في مولدوفا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحالة العلاقات المتدهورة بين موسكو وكيشيناو، في ظل الاستقطاب الحاد داخل المجتمع المولدوفي بين السياسات الحكومية المؤيدة لأوروبا ومصالح الفئات الناطقة بالروسية.

ويشير كامكين إلى أن السلطات المولدوفية تسعى إلى قطع الروابط مع موسكو، بما في ذلك الروابط الثقافية، ويتجلى ذلك في إلغاء اتفاقية «البيت الروسي»، وهي مكاتب حكومية روسية مخصصة للترويج للثقافة واللغة والعلوم الروسية في الخارج.

ويضيف أن مولدوفا تحولت إلى ساحة محورية في المواجهة الجيوسياسية بين روسيا والغرب، بعد تخليها عن سياسة التوازن بين التكامل الأوروبي والحفاظ على العلاقات مع موسكو، لافتاً إلى أن وتيرة استعدادها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي تُعد من الأسرع، خاصة بعد انتخابات سبتمبر/أيلول 2025.

من جهته، يرى محلل الشؤون الدولية ديمتري كيم أن المسار السياسي الذي تتبناه كيشيناو يتشكل تحت ضغوط قوية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويشكل تهديداً مباشراً للمصالح والنفوذ الروسيين في المنطقة.

ويعتبر كيم أن السياسات العدائية تجاه موسكو تمثل «ثمناً» لمسار الاندماج في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ما يشكل، برأيه، تحدياً لمبدأ حياد مولدوفا المنصوص عليه دستورياً.

كما يحذر من أن طموحات كيشيناو للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والناتو قد تقود إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، خصوصاً في حال محاولة حل نزاع ترانسنيستريا بالقوة بدعم غربي، وهو سيناريو من شأنه إضعاف موقع روسيا في منطقة البحر الأسود.

الجزيرة

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير