جفرا نيوز -
محمد الدباس
مع كل شتاءٍ قارس وصيفٍ لاهب، تتجدد شكوى المستهلكين المنزليين من فواتير الكهرباء المرتفعة، ويبرز سؤال مشروع: لماذا تُحتسب التعرفة الكهربائية المنزلية في الأردن بالطريقة نفسها على مدار العام، رغم أن الاستهلاك يتغير كلياً بين الصيف والشتاء؟ ولماذا لا تُدار الكهرباء بتعرفة (موسمية) ُتراعي الواقع المناخي والضغط الفعلي على الشبكة، ولتخفض التعرفة على المواطنين في هذين الموسمين؟
الإستهلاك المنزلي في الأردن (موسمي) بامتياز؛ ففي الشتاء ترتفع الفواتير مجدداً نتيجة التدفئة الكهربائية، وفي الصيف ترتفع الأحمال بسبب التكييف، ورغم ذلك لا تزال التعرفة (ثابتة) زمنياً تُقاس (بشرائح الاستهلاك) فقط، دون تمييز بين إستهلاك قسري وآخر ترفيهي.
تُبرّر دوماً -وزارة الطاقة وهيئة تنظيم القطاع وغيرها- هذا النموذج بكلف التوليد الثابتة، والعقود طويلة الأجل، لكن هذا التبرير وإن كان تبريراً مالياً -إقتصادياً فهو لم يعد كافياً إجتماعياً، في ظل اتساع ما يُعرف ب (الفقر الطاقوي) وكلفته على المواطنين.
ما أطرحه ليس بدعة ، بل هو حقيقة مطبّقة في دول عديدة لتخفيص تكلفة الكهرباء الموسمية على المواطنين. ففي الولايات المتحدة وكندا تُستخدم تعرفة وقت الإستخدام والتعرفة الموسمية لإدارة الذروة. وفي فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا تُعد المرونة السعرية أداة تنظيم لا جباية. أما اليابان ودول شمال أوروبا فتُقدم نماذج واضحة لدعم التدفئة شتاءً باعتبارها حاجة أساسية. في تلك الدول التعرفة الكهربائية أداة (سياسات) عامة. أما هنا فلا تزال تُدار كملف (محاسبي) بحت، منفصل عن الواقع المناخي والاجتماعي. والنتيجة "فقر طاقوي" يتسع وثقة تتآكل، ونقاش إصلاحي (يُرحَّل) كل عام تحت شعار "الوقت غير مناسب".
لم تعد فواتير الكهرباء في الأردن مسألة استهلاك أو سلوك فردي، بل تحولت إلى عنوانٍ لخلل (بنيوي) في إدارة أحد أكثر القطاعات حساسية في حياة المواطنين. فالإصرار على تعرفة كهربائية ثابتة صيفاً وشتاءً، رغم التغير الجذري في أنماط الاستهلاك، لم يعد خياراً تقنياً بقدر ما هو قرار سياسي مؤجل يدفع المواطن كلفته عاماً بعد عام.
خلاصة القول؛ فإن الأردن لا يفتقر إلى التكنولوجيا ولا البيانات ولا الخبرات. ما نفتقده هو ((الجرأة)) في الاعتراف بأن النموذج الحالي هو (غير عادل)، وأن استمرار تجاهل الموسمية في الإستهلاك ليس حياداً، بل انحيازاً صامتاً ضد رغبات المواطن. وما أطرحه هو اختبار لصدق خطاب الإصلاح، فإما سياسات تعترف بالواقع وتتكيف معه للحد من أثر التعرفة الحالية على المستهلكين، أو الإستمرار في إدارة الأزمة على حساب المواطن.