جفرا نيوز -
عــمـــر محـارمـة
في ممرات «قصر الحسينية»، حيث تلتقي أصالة المعمار العربي بهيبة القرار السيادي، يتحرك الملك عبدالله الثاني بخطى الواثق الذي خبر عواصف الإقليم وتقلبات السياسة الدولية لعقود.
ومع إشراقة عام 2025، لم يظهر الملك كقائد دولة فحسب، بل برز كمرتكز استقرار استراتيجي في منطقة تعيد تشكيل نفسها وسط رمال متحركة.
لقد اتسم العام المنصرم بنشاط ملكي مكثف وضع الأردن في قلب الحراك العالمي، مع تركيز عميق على «تحديث الدولة» في مئويتها الثانية.
رسم جلالته بفعله اليومي صورة القائد الذي يوازن برؤية ثاقبة بين ملفات داخلية طموحة وتحديات إقليمية معقدة؛ فكان وجه الملك في كل محفل يعكس مزيجاً فريداً من الحزم في حماية الحدود، والرؤية الاقتصادية العصرية، والحس الإنساني الذي لم يغادر تفاصيل يومه.
لقد ظل الملك في عام 2025 يمثل الصوت الأكثر ثباتاً ودفاعاً عن القضية الفلسطينية. كرس جلالته جلّ جهوده الدبلوماسية لإنهاء الكارثة الإنسانية في غزة ووقف آلة الحرب، وقاد حراكاً دولياً وإنسانياً غير مسبوق.
لم تكن غزة بالنسبة لجلالته مجرد «ملف سياسي» في أروقة الخارجية، بل كانت قضية وجدانية تجلت في إشرافه المباشر على عمليات الإنزال الجوي للمساعدات وكسر الحصار الإنساني.
وفي كل عاصمة زارها، كان يحذر من أن تهميش القضية الفلسطينية هو «الوصفة الأكيدة» لعدم استقرار العالم، مشدداً على أن القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية خط أحمر، مستنداً إلى الوصاية الهاشمية التاريخية التي يمارسها بكل أمانة واقتدار لحماية هوية المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
وعلى الصعيد الإقليمي، برزت ملامح سياسة أردنية واقعية وشجاعة تجاه الجارة سوريا؛ حيث قاد الملك نهج الانفتاح المدروس ضمن «العهد الجديد» للعلاقات، بهدف استعادة دور سوريا في محيطها العربي وتحقيق الأمن المتبادل. ولم يكن هذا الانفتاح مجرد تنسيق سياسي، بل تضمن مساعي جادة لتعزيز التعاون الاقتصادي وفتح آفاق التجارة البينية بما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين.
وفي قلب هذا الحراك، عزز جلالته في عام 2025 من متانة «المحور العربي المعتدل»، حيث شهد العام تنسيقاً هو الأعلى مستوى مع المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فقد تجلى التناغم الأردني السعودي في مواءمة المواقف تجاه أمن البحر الأحمر واستقرار الخليج، بينما استمرت الشراكة الصناعية التكاملية مع مصر والإمارات كنموذج ريادي للاقتصاد العربي العابر للحدود. كان الملك في لقاءاته مع القادة الأشقاء يطرح رؤية «الأمن الجماعي»، مؤكداً أن قوة الأردن من قوة أشقائه، وأن التنسيق العربي هو الضمانة الحقيقية لحماية المصالح العربية العليا ومنع التدخلات الخارجية في شؤون المنطقة.
ومع هذا الانفتاح، ظل الملك القائد الأعلى للقوات المسلحة، يقف بحزم على الحدود الشمالية، موجهاً بشن حرب لا هوادة فيها ضد عصابات تهريب المخدرات والمنظمات الإرهابية، مرسلاً رسالة واضحة بأن «يد الأردن الممدودة للسلام لا تلغي قبضة الحديد التي تحمي أمن المواطن».
شهد عام 2025 حراكاً دبلوماسياً ملكياً جاب عواصم العالم، من واشنطن إلى بروكسل وباريس وبرلين، حيث أعاد صياغة الموقف الأوروبي تجاه القضايا العربية.
أما المحطة الأبرز، فكانت «الجولة الآسيوية الكبرى» (اليابان، فيتنام، إندونيسيا، باكستان، سنغافورة). لم تكن الزيارة بروتوكولية، بل غاص الملك في تفاصيل الرقمنة والابتكار في سنغافورة، وتكنولوجيا الصناعة في اليابان، رغبة منه في نقل هذه النماذج لتكون رافعة للشباب الأردني.
ومع دخول العام 2026، تتجه رؤية الملك عبدالله الثاني نحو «مرحلة الحصاد» لنتائج رؤية التحديث الاقتصادي والسياسي.
من المتوقع أن يشهد العام القادم تركيزاً ملكياً مكثفاً على تحويل الأردن إلى «مركز إقليمي للطاقة الخضراء والابتكار الرقمي»، مع تعزيز دور الأردن كمنصة لوجستية دولية تربط الشرق بالغرب. سياسياً، سيقود الملك جهوداً لترسيخ «التحالفات المتزنة» التي تحمي مصالح المملكة وسط الاستقطابات الدولية الكبرى، مع استمرار التركيز على تمكين الجبهة الداخلية لتكون الصخرة التي تتحطم عليها الأزمات الإقليمية، ومن المؤكد أن الأردن تحت هذه الراية سيكون في 2026 أكثر قوة ومنعة واعتماداً على الذات.