النسخة الكاملة

قانون المطبوعات والنشر ، هل يحل مشكلة الاعلام ؟

الخميس-2012-10-18 02:49 pm
جفرا نيوز - جفرا نيوز - د. احمد المجالي علينا ان نعترف بفشل النهج التقليدي لتعامل حكوماتنا مع ازمة الاعلام المزمنة ، التي تطورت لتصبح ازمة مع المؤسسات ثم مع النظام السياسي في احيان اخرى .
فالاعتقاد بان قانون المطبوعات والنشر المعدل سيحل المشكلة اعتقاد خاطئ وعاجز عن ايجاد حلول دائمة ، بل هو لجوء إلى عقلية القلعة والتخندق وراء النصوص القانونية ، يحصر الدولة في مساحة ضيقة ويمكن الرأي الآخر من احتلال الحيز الاكبر .
كان اولى بالحكومة السابقة ان توسع دائرة النقاش حول القانون وتستعين بخبرات اوسع في التعامل مع جميع القضايا الجزئية المرتبط بتفاصيل العمل الاعلامي والقادرة على استشراف المستقبل ، والنظر إلى المسالة من زاوية اكثر شمولية بحثا عن شراكة عناصر المعادلة الاعلامية كافة في تحمل المسؤولية ، لكنها كابرت في السباق مع الوقت المتاح ، وتعاملت مع نص القانون كواجب منزلي ينجزه الرئيس ووزيره للشؤون القانونية .
فخلاف العاملين في الاعلام الالكتروني ليس مع التسجيل الاختياري لدى دائرة المطبوعات والنشر ما دام الهدف منه التأكيد على اردنية الموقع او الحماية من قانون العقوبات (عقوبة الحبس ) ، او تحديد الالتزام الضريبي كواجب وطني ، بل انه كذلك فرصة لمنع القطاعين العام والخاص من الاعلان لدى مواقع تسيء للإعلام الالكتروني ولا تجرؤ على التقدم لطلب ترخيص رسمي ، وبعبارة اخرى فان التسجيل فرصة لتمييز المواقع الشفافة التي لا تمارس الابتزاز او تعمل كواجهات لأجندات مشبوهة ، من خلال ضبط سياسة الاعلان لدى الالكترونيات لصالح العمل المهني النظيف .
ان الخلاف الحقيقي مع قانون المطبوعات والنشر يبدأ بإجبار المواقع الالكترونية على تصويب اوضاعها بتلبية شروط قانونية تزيد كلف انشاء او بقاء المواقع الموجودة، ما يجعل من القانون سيفا مسلطا على الجسم الاعلامي الالكتروني ، وبمعنى آخر فقد اشعر القانون اصحاب المواقع بانهم معاقبون باثر رجعي ، وعليهم دفع الثمن بإنشاء شركة لدى وزارة الصناعة والتجارة وتعيين رئيس تحرير مسجل في نقابة الصحفيين .
اما الجانب الاخر من الخلاف مع القانون ، فيتعلق بالمسؤولية الكاملة عن كافة التعليقات والآراء الواردة في الموقع ، تلك التعليقات الحرة التي ميز حجمها وجرأتها بين المواقع واعطى فرصة افضل للأعلام الالكتروني لاستغلال عنصر (التفاعل) والتقدم على الصحافة
المكتوبة ،فقد بدات قصة الاعلام الالكتروني بالتحول من متابعة الخبر إلى توظيفه وصناعة موقف الجمهور الذي يتأتى بالمتابعة والمنافسة بين القراء على ابداء الراي .
فسرّ التفوق الالكتروني يكمن في امتياز التأثير المتبادل بين الرسالة والمتلقي الذي يحدث تفاعلا اجتماعيا بين الفرد من جهة وبين الجماعة (القراء ) من جهة ثانية ، وقد تعامل الاعلام الالكتروني مع رأي المتلقي باعتباره معلومة وخبرا بحد ذاته ومؤشرا على بوصلة الرأي العام .
ويبدو ان القائمين على تشريع قانون الانتخاب انكبوا على مفاهيم ضيقة لتشخيص المشكلة مغفلين التطور الكبير في تكنولوجيا وسائل الاتصال الذي احدث دفقا هائلا في الادوات المتاحة لإيصال المعلومة وتبادلها ، فالاتصال اشمل من الإعلام كونه الوعاء الأوسع إذ ينقسم الى عناصر عدة : مرسل ورسالة ومستقبل بواسطة وسيلة ، بما يؤدي إلى أحداث اثر معين على متلقي الرسالة ، وقد جاء قانون المطبوعات ليضع المسؤولية كاملة على الوسيلة باعتبارها تمثل المرسل والرسالة والاثر الناتج عنها .
ان القاء اللوم على المواقع الالكترونية وتكبيلها بموجب قانون المطبوعات والنشر اشبه بلجوء الطبيب إلى البتر بدلا من عرض الخيارات المتاحة ، فدور الاتصال ان يعتمد على وسيط لغوي يضطلع بمهمة تبادل المعلومة حول موضوع او مشكلة مشتركة، ثم تبادل المعرفة بحلولها المحتملة وأساليب تحقيقها ، وهي من ابجديات العمل الاعلامي، واولى بهذا القانون (على سبيل المثال )ان يعرض خطوة استباقية لمحاسبة الموقع الالكتروني على التعليقات المسيئة ، باشتراط ادراج العنوان الالكتروني للمرسل لنشر التعليق على ألا يكشف عن اسم المرسل _ان اراد هو ذلك – إلا في حالات الملاحقة القضائية ، وهي عملية ممكنة فنيا ومستخدمة في مواقع غربية لديها مساحة واسعة من الحرية كموقع (BBC ON LINE ) .
لقد عبر احد الزعماء الاوروبيين من قبل عن رؤيته للصحافة بقوله : "تخلصنا من مفهوم الحرية السياسية الذي يذهب إلى القول بأن لكل فرد الحق في أن يقول ما يشاء "، وكان ذلك الزعيم هتلر بعينه ، فاذا كان الهدف من ضوابط عملية الاتصال والاعلام المصلحة العامة فان تحديد هذه المصلحة بواسطة مسؤول - يملك وقتا ضيقا لتحقيق مآربه - سينتهي بها إلى أن تصبح مجرد تبرير فكرى للاستبداد وإلغاء دور الإعلام في التطور الاجتماعي .
واعتقد ان واضع القانون والذين وافقوا عليه افتقروا إلى رؤية مستقبلية للتطور الممكن في وسائل الاتصال ، وفي الشبكة العنكبوتية التي ستؤمن حلولا ذكية لمنع ايقاف اي موقع عن
دولة بعينها ، وحلولا لإزالة اي رسالة من ارشيفها حسب طلب العميل ، بما يجعل ملاحقة المواد الالكترونية امرا مستحيلا .
ولاشك بان الرقابة المقصودة من قانون المطبوعات والنشر تتناقض مع نهج الدولة في اشراك القطاع الخاص بتحمل مسؤوليات التنمية ، فالإعلام الوطني الذي وصفه الخطاب الملكي السامي بالصناعة توالد بشكل سريع معلنا عن قطاع مزدهر يسعى إلى تحقيق الربح المادي من خلال مراقبة الحكومة وأنشطتها المختلفة والترفيه والدعاية والإعلان ، فجاء قانون المرئي والمسموع كإضافة لتنظيم القطاع الاعلامي وتنميته ولم يفرض قيودا على وسائل الاعلام المعنية ، فلماذا يضع قانون المطبوعات قيدا على تفاعل المتلقي مع الموقع الذي يسعى بدوره إلى جذب المعلن من خلال استعراض قدرته على تحقيق نسب اعلى من المتابعين والقراء ، ولن ترتفع تلك النسب ما لم يقتنع المتلقي بانه يتعامل مع وسيلة تشعره بحقه في تداول المعلومة ونشر ما يعتقد انه صحيحا .
ومن خلال معرفتنا بالقائمين على اخراج قانون المطبوعات والنشر ، يمكننا القول بان الاعداد لتعديلاته المتتالية افتقر إلى طول النفس بالحوار مع وسائل الاعلام الالكتروني والفشل في اقناعها بالشراكة في تحمل المسؤولية لحماية المجتمع من تسلط الرغبات الفردية ، فعلى سبيل المثال ، اعترف واضع القانون بالمطبوعة الالكترونية فوصفها وميزها ،لكنه لم يلتفت إلى ان العاملين في هذه المؤسسة الاعلامية يحتاجون إلى الاعتراف بهم كأصحاب مهنة ، يحق لهم ان ينتموا لنقابة ترعى مصالحهم ، وليس هناك اقرب من نقابة الصحفيين ، التي واجهت من قبل صعوبة في تعريف الصحفي الالكتروني وقبول عضويته ، وكان بإمكان الدولة ان توسع شراكة هذه المؤسسة الوطنية في تنظيم الاعلام الوطني من خلال تامين حوافز تشجع الاعلام الالكتروني على تحمل المسؤولية الاجتماعية والتزام المهنية .
ان القسم المتعلق بشرط تعيين رئيس تحرير للموقع الالكتروني (المسجل لدى دائرة المطبوعات والنشر ) يختص بعمل نقابة الصحفيين فلماذا لم يطرح تعديل قانون النقابة لإفساح المجال لانضمام الصحفيين الالكترونيين الملتزمين مهنيا ، وشمولهم بامتيازات التامين الصحي والتقاعد وغير ذلك ، مقابل اضطلاع النقابة بمسائلة المتجاوزين من خلال مجلسها التأديبي وتامين الوسائل القانونية للدفاع عن الملتزمين امام القضاء ، فيتحقق الهدف المرجو من دعم الاعلام وحماية المجتمع في آن واحد ، ولا يوجد ادنى شك بقدرة النقابة على اقناع المواقع حينها باتخاذ اجراءات تحدد مسؤولية المسيء سواء كان صحفيا ام صاحب تعليق .
علينا كصحفيين مهنيين ان لا نستسلم للقانون كأمر واقع وان نواصل الحوار فيما بيننا وان نبحث عن اي وسيلة لإسماع رأينا ، بدءا بالمحكمة الدستورية ، وفي الوقت نفسة علينا ان نؤمن حلولا توافقية بديلة للرقابة السلطوية ،تدعم العمل الاعلامي والصحفي كمهنة شرف ومسؤولية ، فبلدنا مقبل على حكومات برلمانية طال انتظارها ، وسط امال شعبية كبيرة ، وظروف اقتصادية صعبة ، وسيكون لخيبة الامل آثار وخيمة في حال عجزت الحكومة البرلمانية القادمة عن تحقيق آمال المواطن ، وبخاصة إذا شعر الناس بانهم مضطرون للنزول إلى الشارع بعد ان كممت افواههم وعجز الاعلام الوطني عن ايصال صوتهم .

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير