الملك متسامح مع شعبه ورئيس وزرائه يهدد
الخميس-2012-06-26
جفرا نيوز -
جفرا نيوز - الأستاذ الدكتور أنيس خصاونة
في أول إطلالة وحوار له من على شاشات التلفزيون الأردني الرسمي أدلى رئيس الوزراء الدكتور فايز الطراونة بتصريحات عديدة تبرر وتشرح قرارات الحكومة الأخيرة المتصلة برفع الدعم عن المحروقات وبعض السلع الأخرى محاولا خطب ود المواطنين وتفهمهم لمثل هذه القرارات.الملفت للانتباه أن الرئيس ليس فقط لم ينجح في إقناع الناس بدفع فواتير الترهل والقرارات الخاطئة والفساد الذي أنهك الاقتصاد وهدر الموارد ولكنه فاقم من الشعور الشعبي بالسخط عندما ردد عبارات التهديد والوعيد لمن يتوجه بالنقد أو التعرض تلميحا أو تصريحا إلى شخص جلالة الملك .لا أعلم كيف تقوم شخصية رسمية بوزن وسوية رئيس الوزراء وفي هذا الوقت الحساس بالذات باستفزاز المواطنين وتهديدهم بمن يقترب أو ينتقد الملك.
محير أمر رئيس وزرائنا الذي يبدوا أنه قد نسي أن الأردنيين قد تجاوزوا مخاوفهم وانتصروا على ترددهم واختاروا أن يعيشوا ربيعهم ويغيروا واقعهم عبر المطالبة والنقد والتظاهر السلمي . رئيس وزرائنا ما زال يعتقد أننا في الثمانينات من القرن الماضي حيث سطوة القوى الأمنية هي الأولى والأعتى والأعلى وأن المواطنين يميلون حيث تميل الحكومة والقوى الأمنية. هل تفكير رئيس الوزراء هو تفكير خارج الزمان ليعود مستخدما أدوات التهديد والوعيد لمن تسول له نفسه أن يقترب من الملك؟ وهل نسي الدكتور الطراونه أن الملك هو رأس السلطات الثلاث وأنه يتدخل في إدارة شؤون الدولة الخارجية بشكل تام كما أنه هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية والقوى الأمنية وأنه يتدخل في جوانب تفصيلية في إدارة الشؤون الداخلية للمملكة؟ إذا كان تدخل الملك في إدارة وقيادة وتسيير الشؤون الداخلية والخارجية والأمنية للدول الأردنية بهذا الحجم فكيف لا تريد الأردنيين أن لا ينتقدوا ويبدوا ملاحظاتهم على هذا التدخل وتلك السياسات التي يقودها الملك؟الملك وفقا للدستور ذاته مصونة ولا يخضع للمسائلة عن أعمال الحكومة لأن الحكومة ورئيسها ومجلس وزرائها هم الذين يتحملون المسؤولية ويخضعون للمسائلة عن إدارة شؤون الدولة ولكن ذلك لا يحصل على أرض الواقع والأردنيين يعرفون ويلمسون أن الملك يقوم بالتأثير على سياسيات وقرارات الحكومة في معظم المجالات وبالتالي فهو معرض للنقد نظرا لهذا التدخل.
من جانب آخر يبدوا أن الرئيس الطراونه يريد أن يكون ملكيا أكثر من الملك وقد نسي أو تناسى أن العائلة المالكة في الأردن هي محور احترام الأردنيين بمعظم أطيافهم ومشاربهم ولا أعلم عن أي طرف ينادي بغير تمسك الشعب الأردني بالهاشميين .الأردنيون يريدون الإصلاح للنظام ويريدون تعديل أسس العلاقة بين الشعب والنظام وهذا كله يعزز من استمرار النظام واستقراره الذي نحرص عليه جميعا.
رئيس وزرائنا بتصريحاته خيب آمال الكثيرين من المواطنين وأثار نقمتهم وسخطهم بتذكيرهم بسطوة الدولة وقوتها وقدرتها على قمع الناس وقهر إرادتهم وكتم أنفاسهم وخنق حرياتهم وحرمانهم من حقهم في التعبير الذي كفله الدستور. مذهل أن يعاود الرئيس لاستخدام أدوات ماض قد تولى في التهديد والترويع علما بأن الملك أكثر تسامحا وتحملا وصبرا من رئيس وزراءه الذي على ما يبدوا ضاق ذرعا بالمسيرات والمقالات الناقدة والحوارات الساخنة للمعارضة.على رئيس الوزراء أن يتعلم من الملك كيف يتحمل النقد الذي هو سر استمرار نظامنا السياسي واستقراره مذكرا الرئيس الطراونة بأن من تآمروا على قلب نظام الحكم في الأردن لم يتم الصفح عنهم فحسب وإنما تم توليتهم المواقع القيادية الهامة في الدولة الأردنية.
لا أعتقد أن الملك بحاجة لتهديدات رئيس وزراءه لشعبه وأن مثل هذه التهديدات هي لغة خارج زمانها وربما تعمل على "تثوير" الناس وإثارة مشاعرها.كفى الناس ما بهم يا رئيس الوزراء، كفاهم رفع الأسعار، وشظف العيش، والضرائب، والضغط النفسي والمعيشي، وإرهاصات الفساد والمحسوبيات ، وكفر مجلس النواب المزور وتغطيته على الفساد والفاسدين ، وتعيينات رؤساء الجامعات المخالفة لشروط التنافسية المعلن عنها وغيرها من الظروف التي تسبب ارتفاع ضغط الدم وتخثره في أوعيتنا الدموية.أوضاعنا في الأردن لا تسمح بأي فلتات أو تصريحات إعلامية غير مدروسة والتهديد والوعيد الذي تضمنته تصريحات رئيس الوزراء يمكن أن يكون له أثار ونتائج عكسية وننصح الملك بان يوجه رئيس الوزراء لعدم العودة إلى استخدام لغة العنف والتهديد خصوصا ونحن نرى دول لا تستطيع بكل ترسانتها وطائراتها ودباباتها أن توقف الشعب عن مطالبته بحقوقه.الملك والعائلة المالكة في الأردن مجمع عليها من قبل الأردنيين وسر شعبية الملك والنظام وتمسك الناس به هو سلمية هذا النظام وتسامحه مع مواطنيه .الملك مدعو إلى توجيه حكومته بإلغاء مجمل القوانين المتصلة بقدح المقامات العليا وإطالة اللسان وتقويض نظام الحكم والتي تعطي الحكومة السند التشريعي الذي يمكنها من كبح حريات الناس والكتاب والمفكرين . الملك ليس بحاجة لمثل هذه القوانين التي تتناقض مع المطالبات الإصلاحية والقيم الديمقراطية التي نسعى إلى تحقيقها وإرسائها.