جفرا نيوز - نصر المجالي
يشهد المكتب البيضاوي في البيت الأبيض الثلاثاء قمة أردنية - أميركية ذات أبعاد مهمة في تفاصيل أجندتها لجهة الموضوعات المطروحة أمامها خاصة مع التداعيات الخطيرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في غياب من سلام دائم وعادل وحسم للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي ظلت الإدارات الأميركية المتعاقبة تعد به على مدى السنوات الماضية وخاصة إدارة أوباما التي دشنت مرحلة المفاوضات المباشرة التي وصلت في الأشهر الأخيرة إلى طريق مسدود.
وحين يلتقي الملك عبدالله الثاني بن الحسين الثلاثاء مع الرئيس أوباما الذي يواجه هو الآخر معركة مفصلية في تاريخه السياسي حيث الانتخابات الرئاسية على الأبواب، فان الملك مدرك تماماً ان مضيفه لا يملك في هذه المرحلة الكثير من الحلول السحرية لعديد من القضايا القائمة في المنطقة، ولكنه سيحاول ما امكنه من جديد التذكير بكثير من الوعود التي كان تعهد بها في شأن تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين استنادا إلى حل الدولتين، وهو حل كانت ادارة اوباما اعتبرته "مصلحة قومية استراتيجية".
دبلوماسية نشيطة
كان الملك غادر عاصمته بعد ان حققت دبلوماسيته النشيطة ما لم تسطع تحقيقه كل الجولات المكوكية الاميركية والاوربية بعد اجتماع لموفدي اللجنة الرباعية بحضور فلسطيني - اسرائيلي وهو اجتماع قاد بعد ذلك للقاءات مباشرة بين طرفي الصراع في عمان ايضاً فضلا عن اجتماعات اخرى مهمة شهدتها مدينة العقبة في الاسبوع الماضي بحضور دبلوماسي مهم.
صحيح ان اجتماعات عمّان أنها استكشافية لبحث فرص إعادة إطلاق مفاوضات جادة للوصول الى أرضية مشتركة لاستئناف المفاوضات المباشرة الرامية الى إنجاز اتفاق سلام فلسطيني- إسرائيلي يجسد حل الدولتين ويعالج قضايا الحل النهائي وفق الجدول الزمني الصادر في بيان اللجنة الرباعية العام الماضي حيث الموعد الأخير لهذا الجدول هو 26 يناير/ كانون الثاني الحالي.
لكن مثل هذه الاجتماعات حققت خطوة متقدمة عبر دبلوماسية أردنية هادئة قادها الملك عبدالله الثاني في الشهرين الأخيرين عبر زيارات سريعة لعواصم أوروبية من بينها برلين وباريس ولندن ثم زيارته لرام الله ولقاءاته مع القيادات الإسرائيلية التي توجت بلقائه مع الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز في نوفمبر 2011 .
وخلال لقاءاته مع الاطراف المعنية والقيادات فلسطينية كانت أو إسرائيلية أو أوروبية وأميركية على مدى اعوام واشهر مضت خاصة الشهرين الماضيين، ظل الملك عبدالله الثاني يصر على موقف واحد هو "أن حل جميع قضايا الوضع النهائي وفي مقدمتها اللاجئين والحدود والقدس، وصولا إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس خطوط عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتي تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل هو الأساس لإنهاء عقود طويلة من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي."
ذات الموقف سمعه الرئيس الأميركي أوباما من الملك عبدالله الثاني في كل لقاء يجمعهما في السنوات الثلاث الماضية وهو سيسمعه مجددا الثلاثاء من الملك الذي ظل ينبه محادثيه الاميركيين والاوروبيين وفي كل تصريحاته وخطبه ولعل الأشهر فيها خطابه التاريخي امام الكونغرس في ابريل/ نيسان 2007 انه ما لم يتم حسم الصراع في الشرق الاوسط فان المنطقة تقف امام منزلق خطير.
الحال السوري والمنزلق الخطير
هذا المنزلق وهذا التحذير لا يزال قائما، فتداعيات الربيع العربي والتوتر القائم بين الدول الغربية وإيران عاملان خطيران حاسمان في ترتيب صورة الخريطة الجيوسياسية المقبلة للمنطقة،، صحيح أن انتفاضات الربيع العربي استطاعت خلع حكام استبداديين في شكل سلمي كما حدث في مصر وتونس، لكن دماء نازفة سالت في سبيل انهاء استبداد القذافي في ليبيا، والحال ذاته في اليمن والأخطر من الجميع هو ما تشهده سوريا راهنا من مسلسل دموي يكاد لا ينتهي.
وإذا ما استذكرنا الموقف الذي صدر عن الملك عبدالله الثاني في شأن الأزمة السورية في تصريحاته لتلفزيون (بي بي سي) وهو اثار إعجاب جميع المراقبين ومصادر القرار، فان مثل هذا الموقف من النظام السوري سيكون مطروحا على اجندة القمة الأردنية - الأميركية الثلاثاء، والملك عبدالله الثاني على ما يبدو هو الأقدر بين جميع الزعماء العرب على "توصيف"الحال السوري لسيد البيت الأبيض وأركان إدارته ليس بحكم جوار الأردن لسورية وحسب وليس بحكم العلاقة الشخصية التي تربط الملك بالرئيس السوري بشار الأسد، ولكن بحكم التاريخ والجغرافيا في اقليم الشرق الأوسط عامة ومنطقة بلاد الشام خاصة التي اطرافها "سورية والاردن ولبنان وفلسطين ... ولاحقا إسرائيل" !.
ففي حديثه لـ (بي بي سي) شخّص الملك عبدالله الثاني واقع حال سورية وضرورة مقتضيات التغيير واسلوب هذا التغيير، ومثل هذا "التشخيص الهاشمي" قد يُستعاد ثانية في قمة المكتب البيضاوي الثلاثاء، بعيدا عن كل التصريحات والنداءات والقرارات التي تتخذ هنا وهناك في عواصم عربية او عواصم جوار، سواء طهران او بغداد او أنقرة.. أو حتى الجامعة العربية وما صدر عنها من قرارات "عرجاء قصيرة النظر" الى هذه اللحظة من دون فهم لواقع حال ماذا تعني سورية بشعبها وحكامها .. ومستقبلها في الاقليم ومستقبل الاقليم معها وبها !؟.
الجد الأعلى للملك عبدالله الثاني، وهو الملك الراحل عبدالله الأول بن الحسين، كان أطلق في اربعينيات القرن الفائت مقولة تاريخية في ظل اندلاع الصراع على فلسطين وهي: "لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سورية". هذه المقولة لا تزال عنوان الخطاب السياسي لأي حاكم هاشمي في الأردن، وما صدر عن الملك عبدالله الثاني في ما يختص الشان السوري كان يلامس هذه القاعدة التاريخية.
الصراع لا يزال هو الصراع،، ومصر التي شهدت تغييرا عبر ثورة 25 يناير 2011 وهي سائرة الى التغيير الكامل تظل عاملا مهما في هذا الصراع قد لا يكون صراع حرب خاصة لارتباطها بمعاهدة السلام الموقعة العام 1979 ، والحال ذاته مع سورية كعامل مهم في الصراع نحو حال السلام والوصول اليه بغض النظرعن النظام الذي يحكم.
ولذلك فان الانتقال الى حال نظام حكم جديد في سورية لا بد وان يتلمس جميع جوانب التغيير وانعكاساتها على الداخل السوري وعلى دول الجوار وعلى الاقليم بمجمله امام خريطة غامضة قائمة الان بتحالفات متشابكة وصراعاتومصالح متناقضة لا ترى ابعد من عينيها حول مستقبل المنطقة بكاملها؟
في شرحه لتوصيف واقع حال سورية، لم يدع الملك عبدالله الثاني الى حشد عسكري ضد النظام في دمشق، ولم يطالب بمحاصرته او خلعه، فهو اختصر مجمل الحال وما يمكن ان يكون مستقبلا بقوله: "اعتقد اني كنت ساتنحى لو كنت مكانه" في اشارة الى الرئيس الاسد. واضاف: "كنت ساتنحى واتأكد ان الذي سيخلفني لديه القدرة على تغيير الواقع الذي نراه."
وقال الملك حينها إن على الرئيس السوري الشروع في مرحلة جديدة من الحوار السياسي قبل ان يتنحى، لخلو الساحة السورية من العناصر القادرة على تغيير الوضع الراهن.
وقال: "لا اعتقد ان النظام القائم يسمح بذلك، ولذلك اذا كان بشار مهتما بمصلحة بلاده عليه التنحي، ولكن عليه ايضا العمل لضمان انطلاق مرحلة سياسية جديدة في سورية."
مثل هذه العبارات الصادرة عن الملك هي "مربط الفرس" كما يقال،، وهي ذاتها محتمل ان تُستعاد في ما يمكن أن يعرضه الملك الهاشمي من قضايا مع محادثيه الاميركيين في واشنطن سواء في لقاء المكتب البيضاوي او ما يلحق من لقاءات أخرى مع اركان الادارة او مع الصحافة او معاهد البحوث والدراسات.
وبالطبع لن يكون الملك عبدالله الثاني "متشنجاً" كما فعل غيره في شان ما كان صدر عن الرئيس السوري بشار الأسد في خطابه الأخير وتعهده بطرح الدستور الجديد للاستفتاء الشعبي في مارس/ آذار المقبل، حيث اهم ما في مثل هذا الدستور هو الغاء الحزب الواحد والشروع بالتعددية السياسية وصولا الى اكتمال عقد الديموقراطية في سورية.
فإنهاء حكم حزب الواحد (البعث) وبدء مرحلة التعددية السياسية هو ما كان الملك عبدالله الثاني يعنيه حين قال: "واذا كان بشار مهتما بمصلحة بلاده عليه التنحي، ولكن عليه ايضا العمل لضمان انطلاق مرحلة سياسية جديدة في سورية." فالمسالة في فهم الملك ليس اسقاط حكم واقامة آخر بدلا عنه على غير هدى وبصيرة،،، واذا ما ادركنا ان المعارضة السورية متشرذمة ومنقسمة على نفسها،،، فان كلام الملك يحقق نفسه في الاتجاه الصحيح،، وعسى ان تفهم ادارة اوباما ما سيقوله لها لا أن تتخذ مواقف متسرعة في الشأن السوري سعيا وراء كسب اصوات انتخابية في معركة كسر العظم الرئاسية مع الجمهوريين.
لعبة المحاور
لا يرغب الملك عبدالله الثاني الزج في الاقليم بـ"لعبة المحاور" مجددا، فهو وعى الدرس جيدا بعد فشل مثل هذه اللعبة اثر حربين خاطفتين دمويتين في اقليمه، حرب اسرائيل ضد حزب الله في لبنان وحربها ضد حماس في غزة. اذ بينما اطراف المحاور ظلت تقرع طبول الحرب وتصعيد لهجتها بين المتحاربين، ذهب الملك الى حالة "الانقاذ الانساني" فساهم بكل ما يملك بـ"فك الحصار عن لبنان" عبر جسر جوي ولاحقا بالاسهام بمعونات انسانية لسكان قطاع غزة عبر جسر بري مستغلا حالة السلام القائمة مع اسرائيل، ولا يزال المستشفى الميداني الاردني شاهدا يتحدث عن نفسه في انقاذ آلاف الناس من غوائل المرض فضلا عن االحملات الانسانية شبه اليومية من الاردن او عبر اراضيه الى القطاع المحاصر دون تلك الغوغائية في اساليب فك الحصار التي لم تنجح الى اللحظة. فقد نجح الاردن باسلوبه الخاص ورغم شح امكانياته وقدراته بينما انهزم آخرون في مساعيهم رغم "جبروت ثرواتهم وشعاراتهم".
ايران والغرب
لن تكون المماحكة الايرانية - الغربية غائبة عن أجندة قمة عبدالله الثاني - أوباما،، واذ ذاك، فان الملك عبدالله لن يذهب بعيدا في ما ترمي اليه الادارة الاميركية او حلفائها في التصعيد مع الجار الشرقي للعرب، فهو يدرك ان ايران قوة اقليمة لها وزنها، وهو يدرك ايضا ان هذه القوة لها مشاكلها الداخلية حالها حال اي بلد في الاقليم، ولذلك فان اي تصعيد لـ"طبول الحرب" التي يدقها البعض في الساحة الاميركية او في بلدان الخليج العربي لن تكون لها الا نتائج كارثية خاصة اذا ما عرفنا هشاشة منظومة الامن الداخلي لكل بلد مجاور لإيران ابتداء من العراق الذي يفتقر لأقل الإمكانيات الأمنية بعد الانسحاب الاميركي وصولا الى سلطنة عمان مرورا بالامارات والبحرين وقطر والكويت والسعودية،، ولن تكون نتائج اية تصعيد عسكري الا دمارا على الجميع ونهبا لثروات المنطقة لصالح شركات تصنيع الاسلحة وكذا الحال لشركات اعادة الاعمار الغربية والأميركية.
فكما كان مسؤول كويتي كبير صرح قبل عامين بالقول ان "غارة تمتد لستة دقائق لتدمير اي مفاعل نووي ايراني على ضفة الخليج الشرقية ستكلف المنطقة ستة تريليونات من الدولارات لتنظيف آثارها"، فان الملك عبدالله الثاني يعتقد ان البديل الوحيد للحروب هو احلال السلام في المنطقة والنأي بها عن الصراعات وقمة ذلك هو أحلال السلام في الشرق الاوسط وحسم الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي بنيات صادقة واكيدة على الاصرار على تحقيق حل الدولتين، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب دولة اسرائيل الآمنة لنفسها ولغيرها بعيدا عن عقدة الخوف من الآخر في قلعة الحوف..
أوباما كان قالها فهل نسي ؟؟
في الأخير، لا بد من الإشارة الى ان الرئيس الأميركي أوباما لم يحقق وعوده للعاهل الهاشمي الذي التقاه لمرات عديدة منذ دخوله البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2008 ، فكل ما صدر عن اوباما لم يكن يتعدى الثناء العالي على جهود الملك وحنكته وقدرته على استبصار المستقبل،،، ولم يبادر الرئيس لأي فعل صارم في قضايا المنطقة الساخنة حتى وضع نفسه في خانة "التشكيك" بكل مواقفه وصولا الى امتطائه حصان "الربيع العربي" ليبدو وكأنه عرّابه وهو ليس كذلك ..
أليس أوباما نفسه هو الذي قال للملك في أول لقاء بينهما في عمّان حين كان وقتها مرشحاً رئاسياً في يوليو/ تموز 2008 : "اتمنى يا صاحب الجلالة ان يتم استنساخ مائة مثلك .. وساعتها سنجد حلولا لقضايانا" .. فهل نسي الرئيس كلامه ؟؟ مثل هذه العبارة قالها المرشح الرئاسي آنذاك الذاهب مجددا الى معركة رئاسية أخرى بعد أشهر من خطاب تاريخي للملك امام الكونغرس وفيه وضع النقاط على الحروف في مسالة حل اقدم صراع حيث كل قضايا الشعوب وجدت طريقها للحلول ما عدا قضية الشعب الفلسطيني الذي يكافح بكل وسائله لانتزاع ما حق مشروع له واوله حق الحياة في دولة مستقلة كشعوب الارض قاطبة.
ارام