عبدالهادي راجي المجالي يكتب : الرأي
الأحد-2020-06-07 07:51 pm

جفرا نيوز -
جفرا نيوز - أنا أكتب في جريدة الرأي منذ (20) عاما , ومقالي تنقل فيها بين الصفحات ..تارة في الخلف تارة في الوسط , تارة يغيب مطولا , وأحيانا يعود متثقالا ...هل تصاب اللغة هي الأخرى (بالكورونا) ؟ ..من الممكن أن تصاب بالإعياء أيضا ..
ولأول مرة منذ (20) عاما أجد هذه الصحيفة تعاني , والقصة ليست في الموارد المالية ..ولا ضخامة الرواتب , ولا أظنها ..في سوق الإعلان , القصة باختصار أننا فقدنا من يفهمنا , وفقدنا من يتعاطى مع الإعلام , كحالة وطنية ...وكتعبير حقيقي عن الوجدان .
حين أصبحت كاتبا , مررت بما نسميه النمو الطبيعي , أو تطور النضج ...اعتقلت مرارا , وذهبت للمحكمة مرارا , ودفعت ثمن مقالات كتبتها على عجل وبغضب ..وشوهت , هوجمت أحيانا , وركنت في الزوايا البعيدة ..على مقربة من صفحات النعي , ولازمتني الخيبات فترة , ثم لازمني الأمل فترة أطول ...أنا بصراحة لا أعرف غير هذه المهنة , وهي مهنة الصحافة ...وبعد عشرات السنوات , فوجئت بأن القصة ليست تطورا طبيعيا , فهذه المهنة ..الكل يستطيع ممارستها , بما فيهم (الخضرجي ) ....وبائع الساعات , والمتقاعد ...وبالتالي هي أشبه بالطفل الخداج الذي يولد بيده قلم وورقة ...
نحن الصحفيون لم نحصن مهنتنا أصلا , والدولة هي الأخرى لم تحمي تلك المهنة أيضا ... والنتيجة أن إرث محمود الكايد وجمعه حماد وسليمان عرار , وراكان المجالي ...صار مثل عنقود عنب , نسته البنات فذبل على الدوالي ...وترك للعصافير تمتص رحيقه .
ربما هذا العام سيكون اخر عهدي بالصحافة , ربما أنا أيضا ذبلت مثل عناقيد العنب , وما عادت الحروف تحتمل أصابعي , ولا الأصابع تحتمل نبضي ...ربما وأنا على مشارف الكهولة , ربما ..ما عاد هذا الجيل يحب أن يسمع لغة القايش , وثقافة (اتخسى يا كوبان ) ...وربما أننا يجب أن نفسح بعض المجال لجيل جديد , قد يؤسس ..شكلا جديدا من الصحافة , يتجاوز المضمون والمحتوى ...ويغتال الوعي وأنا أحس بهذا النمط من الإعلام قد بدأ يأخذ مكانه .
الرأي لا تستحق أن تكون عنقود عنب أصابه الذبول , وعقال جمعة حماد لايستحق النسيان أبدا ...ولا حتى ضحكات سليمان عرار , على الدولة أن تفكر بوجدانها قليلا ..فبناء مصنع لايعني أبدا أننا أنجزنا في الهوية والوجدان , ولكن حماية الوعي ..والتنوير الذي شكلته الرأي في العقل الأردني , يجب أن يكون دافعا لهذه الدولة كي تستفز ولو قليلا , لحماية تاريخها وهويتها ..والوعي الذي راكمته الرأي في عقول أجيال عبرت على هذا الوطن .
تلك الحبيبة التي أمضيت نصف عمري متنقلا بين صفحاتها , ما زالت مثل ولد من أولادي ...وقد ورثنا فيها , بعضا من وجد مؤنس الرزاز , وعذوبة بدر عبالحق ...وأحمد المصلح , وحبيب الزيودي ...وطارق مصاروة , وفهد الفانك ...
وكل هؤلاء رحلوا , وغادروا الحياة ..,وهم مازالوا على صفحاتها , فهي لم تتركهم حتى في رمقهم الأخير , وأنا لا أريد أن أغادرها ملتقطا أنفاسي ..هي تأن على سرير الحياة وتصارع بين البقاء والموت ...
أريد أن أترك الحياة , مثل هؤلاء ....حرا محلقا على صفحة هنا أو صفحة هناك ..

