النسخة الكاملة

هل يوجد وزراء "تكنوقراط" في الحكومة و أين صاحب المعالي السياسي الذي يحمل برنامجا يسعى لتطبيقه ؟

السبت-2019-08-17 09:33 am
جفرا نيوز - جفرا نيوز - يعيش الأردن حالة من الإغراق في وهم التكنوقراطية التي تعني اختيار الوزراء من الخبراء في مجالات معينة، ليتولوا مسؤوليات حكومية، مثل أن يكون وزير الصحة طبيباً مثلاً، ولكن التأمل في تركيبة الحكومة يجعل الأمور تختلط على من يتابعون تصاعد مصطلح التكنوقراط، إذ أن كثيراً من الوزراء لا يديرون ملفات في مجالات خبرتهم السابقة، إن وجدت من الأساس، كما أن بعضاً ممن تتوافق خبراتهم مع المجال الوزاري الذي هم فيه، لا يمتلكون السير الذاتية الكافية ليتبوأوا المنصب الوزاري، مقارنة بوفرة الأكثر خبرة وتأهيلاً وتجربة.
لم يعد سراً أو اكتشافاً خطيراً، أن المنصب الوزاري في الأردن أصبح يشكل بصورة أوسع، استجابة للمحيط الاجتماعي والشخصي لرئيس الوزراء، وهذه مسألة سابقة على حكومة الرزاز، إلا أنها أخذت تتضح بصورة كبيرة مع حكومته، التي شهدت أكثر من تعديل وزاري، كان كل تعديل يثبت أن الرئيس ينحاز إلى الخلفية نفسها التي تجمع وزرائه، خاصة مع وجود أقاويل بأن الرئيس تحصل على هامش حرية واسع، مقارنة بسابقيه، بتنحية التدخلات التقليدية التي تنشأ نتيجة التشاورات بخصوص الفريق الحكومي، نظراً للأجواء العامة التي أحاطت باحتجاجات الدوار الرابع، ويبدو أن الرئيس أصر على بعض اختياراته بصورة أجلت إعلان حكومته الأولى لفترة طويلة نسبياً.
واجه الإعلام، الرئيس بموقفه من الفريق الوزاري مبكراً، واستمهل الرئيس الإعلاميين، مؤكداً على تحمله مسؤولية خياراته، وتجاهل إشارات الاستياء التي أتت من مجلس النواب، وارتدادات الرأي العام في مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد فترة من التغيب الذي شهدته الحكومة، والسلبية التي أثارت التساؤلات حول توجهاتها في العديد من المواقف، خرج نائب الرئيس الدكتور رجائي المعشر في اجتماعه مع اللجنة النيابية المختصة بالشؤون الاقتصادية، ليعلن الفشل المبرم للاجراءات الاقتصادية القاسية، التي جرى تطبيقها، خاصة قانون الضريبة الذي أدى إلى تراجع الغلة الضريبية، وأظهرت الحكومة أن اعتمادها على الجباية أدى إلى انكشاف هشاشة استراتيجيتها الاقتصادية.
لم يصل الأردن إلى فكرة الوزير السياسي، الذي يحمل فكرا أيديولوجيا وبرنامجا سياسيا، يسعى لتطبيقه بدعم الناخبين
يبرر وزير المالية الدكتور عمر كناكرية التراجع في الضرائب بلجوء المواطنين إلى السجائر الإلكترونية والسيارات الكهربائية، وكأنه يطالبهم بالعودة إلى العادات السيئة لدعم مالية الحكومة، ولتذهب الصحة والبيئة «إلى حيث ألقت!»، ويدفع التشكي الحكومي إلى التساؤل حول ما تم إنجازه فعلاً لتعزيز النمو الاقتصادي، ودعم القطاعات الإنتاجية، وجذب الاستثمارات، فهي التي يفترض أن تشهد نمواً وتحقق أرباحاً تتحول بعد ذلك إلى موارد ضريبية، بعد أن تكون أسهمت في حل مشكلات الفقر والبطالة، ويبدو أن عدم اكتراث الحكومة بالتصريحات السياسية والضعف المتجذر في فريقها التكنوقراطي، أو ما يوصف بذلك، في المناورة السياسية أدى إلى خروج الرسالة الحكومية بفحوى واحدة تتمثل في استمرارها في التنقيب في جيوب المواطنين. توجد أسباب كثيرة في محفظة الحكومة، التي تحاول أن تعيد نغمة انقطاع الغاز المصري، واللجوء السوري، وجميعها ظروف ليست جديدة ولم تحدث في زمن الحكومة، ويفترض أن ملفات استلامها المسؤولية كانت تشمل كل هذه المعطيات، كما أن المطلوب ليس تحويل الأردن إلى سويسرا أو السويد، فكل المطلوب هو الخروج من مأزق التباطؤ الاقتصادي وانتشال مستويات التشغيل إلى حدود مقبولة.
بالعودة إلى فكرة التشكيل الوزاري نجد أن الأردن لم يتمكن إلى اليوم من الوصول إلى فكرة الوزير السياسي، الذي يحمل فكرا أيديولوجيا وبرنامجا سياسيا، ويسعى إلى تطبيقه بدعم شعبي يمثل الناخبين، والوزير يقوم بالتسيير لمواجهة تحديات تفرضها الظروف على رئيس الحكومة ومشروعه، وهو ما يخلق حالة من سوء التواصل بين الفريق الحكومي والمواطنين، الذين لم يعرفوا الوزراء قبل أن تعلن أسماؤهم في التشكيل الحكومي، وحتى لدى العودة إلى السير الذاتية يتوقف المواطن ملياً أمام المفارقات التي تضعها أمامه، فبعض الوزراء تخلو تجربتهم من المنجزات، حتى في مجال أعمالهم، ويجري تسويقهم ضمن حصة التكنوقراط. ما يمكن أن نلمحه أن الحكومة تعكس شخصية رئيسها بالكامل، وأن عمقها يعبر عن خبرته وتجربته في الأردن بعد أن قضى سنوات طويلة من حياته يعمل في الخارج، وأن الصاق فكرة التكنوقراط بالحكومة يحمل إجحافاً واضحاً، يمس تراكم الكفاءات في الأردن، ويضرب سمعة مؤسساتها وقدرتها على توليد القيادات ورعايتها، وتزيد من المشكلة فوضى التصريحات التي تصدر من بعض الوزراء، وكأنهم يسعون فقط إلى حجز مساحة ما على صفحات الجرائد، ومواقع التواصل الاجتماعي، للدرجة التي وصلت للتضارب في التصريحات بين الرئيس وأعضاء فريقه الحكومي.
يحتاج الأردن إلى حكومة ثقيلة سياسياً، وربما حكومة ترتدي المسحة النيابية كما حدث مع حكومة الرئيس السابق عبد الله النسور، بما يمكن من مواجهة استحقاقات سياسية مقبلة، طالما أن الفعل الاقتصادي يبدو عالقاً بانتظار التطورات السياسية، أو هدية من السماء، وتاريخ الأردن يثبت قدرته على رسملة السياسي وترجمته اقتصادياً، وهو ما لا يمكن تحقيقه في هذه المرحلة، مع وجود حمولة الرئيس من شخصيات لا تحظى بعمق اجتماعي أو تجربة سياسية.
يراوح الأردن في خياراته ويبدو أن مراجعة ملفات كثيرة سيجري تباعاً، ومنها ملف الحكومة التي تبدو اليوم في ذروة ارتباكها، خاصة بعد خروجها بدعوة واضحة تطالب الأردنيين بالعودة إلى التدخين واقتناء سيارات البنزين، لحل مشكلة المالية العامة، التي التهمت كل الاعتبارات الاقتصادية الأخرى، بما يعبر عن نتيجة سياسة التسيير التي تنتهجها الحكومة، في ظل تغيب الاستراتيجية التي اختفت تحت لافتة النهضة التي يدفعها الرئيس بصورة مستمرة، بدون أن يمتلك الإجابة حول مصادر تمويل النهضة المرجوة، في ظل وجود تهديدات بقدرة حكومته على الالتزام حتى بفرضيات بناء موازنتها وتسوية أمورها المالية، وهو ما يهدد أصلاً طموحها الراهن بتخطي عنق الزجاجة .
القدس العربي.
 
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير