هل تشظى الحراك وفُرِز قديمُه عن جديده بعد عام على انطلاقة وسط هتافات تاهت في مطالبات غير محدّدة وسقفها أعلى من القانون
السبت-2019-06-08 10:19 am

جفرا نيوز -
جفرا نيوز - هل تشظى الحراك وفُرِز قديمُه عن جديده، وارتدّ بعض أبنائه للعائلة والعشيرة والقبيلة، هتافاته تاهت في مطالبات غير محدّدة وسقفها أعلى من القانون وأحياناً من الدستور فأكلت شرعيّة الأمل وتحوّلت لأصفادٍ بيدي الحريّةِ والإرادة.
بعض الحراكيين يودّعون العيد من السجون وفيها، بينما الحكومه حكايةٌ أخرى لأخيرةُ يرأسها أبو الديمقراطية والمدنية والاقتصاد ومحاربة الفساد، بينما أفراد فريقه متوزعون متنوّعون ومجتمعون على معاكسةِ مبادئه الأولى، ليظهر المشهد الحكوميّ مشوّهاً في كثيرٍ من الأحيان، حيث رأس فارسٍ موجودٌ على جسمِ وحشٍ يمنع الاعتراض والاحتجاج ويعزّز القُبح، لا يتحرك قلبه لأحوال البسطاء ولا يُعلنُ "خطّ الفقر
في المشهد الأمني، بات الاحتجاج ممنوع والمطالبة بحقوق الانسان لها أوقات دوامها الرسمي؛ للدولةِ مسوّغاتها وللحراك أسبابه وكلٌّ من على شجرته يصرخ دون هدى، ولا أحد يسمع موجة صوت الآخر في وقتٍ غير محدّد المطالب ولا الظروف ولا يحمل ريح أي استجابات
في الأثناء، يتزاحم رموز الحرس القديم في الواجهة، بعدما تغيّرت الاثواب وظهر ان "ما حدا أحسن من حدا”، فظنّ البعض ان تحالف اليوم ينسخ ما قبله أو يُنسِه، دون أن يتذكّر القدماء أنهم أفشلوا جهوداً سبقت ويدقّون مسامير في نعش ما لحِقت.
لا أحزاب تُذكر ولا تكتّلات سياسية تتوضّح، على العكس فكلّ من سلف ظهر في شهر الخير بالترف الذي يمنعه من أن يستمر أما الحكماء فيحتجبون بانتظار أمر الله أن يحدث
هكذا تبدو العاصمة بعد عامٍ على "الفتح المبين” الذي حققه حراك ما عرف بـ "الدوار الرابع” الذي استأنف موجة ربيعٍ حقيقية في المنطقة كلّها قبل عامٍ بالتمام والكمال.
في مثل هذا اليوم من عام 2018، كان الأردن يضجّ بالفرح، وكان الأمل يحذو شارعاً ظنّ أنه صنع لنفسه غداً أفضل: الملك كلّف أحد أهم رموز محاربة الفساد والمدنية والديمقراطية الدكتور عمر الرزاز بتشكيل الحكومة، والأخير سحب ملف ضريبة الدخل وأعلن عن صرف الرواتب بمواعيدها وبدأت زغاريد الجارات تُطلق في الحارات والشباب يعانقون بعضهم والحياة.
الأمل طاوَل الإرادة وارتفع، بينما كان الرئيس الجديد يحاول فكّ لغزٍ اضطر لدخوله قبل أوانه، فكّر وقرر "لا مجال لتعلّم الميكانيك من جديد طالما أعرفُ القيادة، وبالطريق الله بيسّر”، هو يعرف القيادة ويدرك كيف يتعامل مع المقود جيّداً، يعرف وجهته بصورة محدّدة وفي رأسه وأوراقه الأهداف واضحة. أمّا خبراء الميكانيكا معه فكلٌّ منهم له "دين” و”كل مين على دينه الله يعينه” كما يقول المثل الشعبي.
أولاً: ماذا جرى للحراك؟
لا يبدو ان الشباب انفسهم ممن كانوا منخرطين في حراك الدوار الرابع العام الماضي يدركون كيف تشظّوا وانكمشوا، غير أن المراقب من بعيدٍ يرى بوضوح أن تغيّر الهتافات واختلافها مع صعوبة إيجاد الظرف الاستثنائي الذي دفع بحراك الرابع إلى ما كان عليه، بالإضافة لمحاولة البعض "قسمة الغنائم” بعد حراك الرابع أسهمت مجتمعة في المشهد المنكمش الحالي من الداخل
البيانات الجهوية والعشائرية والحراكية التي لم يكن يحتاجها حراكٌ ذكيٌّ عفوي ومكثّف كالذي كان العام الماضي أيضاً نفّر غير المؤدلجين وبعض مكونات الحراك الراغبة بالصورة الجامعة، بصورة لا يمكن إنكارها.
هذه كلها عوامل من داخل الحراك نفسه، إلى جانب تلاعب أجهزة الدولة بالتفاصيل وشدّ وجذب بعض الشخصيات من الحراك واليه.
عوامل مهمّة لعبت دوراً كان الحراك الدبلوماسي الاجنبي في العاصمة، فسفارات غربية قررت الاستثمار باللحظة التاريخية لتجري دراساتها وتطلق مجسّاتها وتصوراتها، بالتزامن مع أخرى عربية أطلقت جانباً من أعوانها وهذا كلّه كان يفتّ في عضد حراكٍ لا يزال غضّاً وجمعه همٌّ اقتصادي من ذلك الذي يوحّد الجميع.
في الهتافات، اجتهد المعتصمون لاحقاً خطأً وبالغوا وهم يسيّسون المشهد برمّته ويحتكرون البُعد القيادي فيه، وهذا في بلدٍ كالأردن "تكرار خطأٍ تاريخي” خبره الواعون على حراك عام 2011 ونهاياته المُحبطةِ رغم ما يعتبره الحراكيون من إنجازات.
الإشكال الأكبر تمثّل بأن التاريخ في الأردن يعيدُ نفسهُ بعد 7 سنواتٍ دون وجل، ودون أن يفكّر إذا ما كان يريد التجمّل خشية أن يتذكّره أحد، فتخشّن الأمن وبدأت الأجهزة الأمنية تلعب ألعاب التفكيك والمناورة، ورُشّت تُهم إطالة اللسان وتقويض نظام الحُكم وغيرها على المحتجّين كما اعتاد الأردنيون رشّ المكسرات على مناسفهم الدّسمةِ قبل الغلاء، وهذا كلّه بالتاريخ والطريق معناه قد يكون واحد: "استنساخ التجربة السابقة كلّها.. وسبعُ سنين عجاف قادمة، إلا ان أُحدِث قبل ذلك أمرا”.
تشظّى الحراك، وهناك من يقول أن عشائر وقبائل تشظّت بمعيته بين معارضين وموالين ومتنفّذين،مُنّي الحراك أيضاً بهزيمة سياسية قوامها أنه ظنّ ان هناك مظلّة قد تحتضنه، والأمل كان معقوداً بوضوح على التحالف المدني الذي هندسه رئيس البلاط الملكي الأسبق والوزير مروان المعشّر، إلا ان الأخير تفتّت ايضاً على الطريقة الأردنية التاريخية التي لا يبدو انها قادرة على الاستمرار.
حتى الحركة الاوسع والاكبر في الأردن، أي الحركة الإسلامية، تعيش مرحلة ركود وضعف قد تكون الأصعب منذ نشأتها، ورغم دخول النظام كلّه معها بهدنةٍ معلنة واستعادته للتحالف القديم، إلا ان المتابع يدرك جيداً انها تحصد ثمرة تنمّرها على نفسها وانقساماتها المتعددة خلال السنوات الماضية، ما يجعل استدامة زخمها اليوم صعبة أكثر مما ينبغي.
بهذا المعنى، تشرذم الحراك، ولم يعد قادراً على فرض إرادته حتى في تسليم رسالة احتجاج لمركز وطنيٍّ لحقوق الانسان للمرة الثالثة على التوالي بعدما أسقط حكومة وغيّر النظرة الى شبابه. يحصل كل هذا بالوقت الذي لا يزال التاريخ ذاته يذكّر ان اختلاف الظروف الموضوعية اليوم لا يعني انها لن تعود لترجع زخم الحراك مجددا في أي وقت، ومن عرف طريق الرابع يستطيع سلوكه مجدّداً.
*

