النسخة الكاملة

هبوب الجنوب يكتب: الدولة حين تغتال العقل

الأربعاء-2019-05-29
جفرا نيوز -
جفرا نيوز- خاص – هبوب الجنوب .

....مالذي يتعب الدولة الأردنية , لماذا وصلت إلى مرحلة...صارت فيها أشبه برجل مسن , يعاني من مجموعة أمراض وحياته كلها قائمة على الشكوى ؟ ....
حين تريد أي دولة أن تنهض , فإنها على الفور تتحالف مع العقل في مفاصل القرار , والعقل الراجح الذكي المبادر هو القادر على حماية الدولة , وحين تستثمر الدولة في الموظف ..وتنسى العقل , يلجأ الموظف الذي يوضع في مفاصل القرار إلى اغتيال العقل وتشويهه , من أجل أن لاينافسه أحد في السلطة ...سأشرح الأمر .
عبدالناصر ..حين تولى السلطة , لم يكن يملك مشروعا في الحكم , كان يمثل مجتمع الغلابى وكان يملك تحالفات في داخل المجتمع , ولكنه لم يكن مؤهلا لمخاطبة الغرب , لم يكن يملك توجها في العلاقة العربية , ومصر بحجمها ودورها كانت تتوق للزعامة , ولهذا تحالف مع محمد حسين هيكل ..الذي كان يمثل عقل السلطة في مصر , وهيكل أنتج الناصرية وهو صاحب فكرة عدم الإنحياز وهو من بلور المؤتمر وأخرجه للوجود , هو من أنتج الناصرية كأيدلوجيا ومشروع لنظام الحكم في مصر , وهو مهندس العلاقات مع الغرب والروس في ذات السياق ....تخيلوا في منتصف الخمسينيات , أرسل الملك حسين رحمه الله , فوزي الملقي كسفير للقاهرة , وكان هذا الطلب بناء على رغبة من القيادة المصرية , ولم يكن دور فوزي الملقي أن يكون مجرد سفير , بل قدم خبرته ...في التعاطي مع أوروبا , وشرح للمصريين ...العقلية البريطانية , واليات التعاطي معها ....فوزي كان خريج بريطانيا , وعاش زمن الحرب العالمية الثانية وكان لديه تصورا كاملا عن السياسة الخارجية البريطانية , ونظرتها للعرب .
حتى حافظ الأسد , حين أرسل فاروق الشرع لمؤتمر مدريد , لم يرسله كي يبحث عن صفقة سلام , بل أرسله لكي يؤدب شامير ويعلمه درسا في أصول الخطابة , لدرجة أنه أبرز صورة شامير , أمام المؤتمر ..وعراه تماما وفضح دوره في اغتيال المبعوث البريطاني ...وفاروق الشرع كان مفكرا في السلطة , ولم يكن وزيرا للخارجية فقط .
العقل هو التحالف الوحيد الذي ينجح في حماية السلطة , وليس أدل على ذلك من عادل الجبير وزير الشؤون الخارجية السعودي ..فهو ليس موظفا أبدا , بل هو سعودي متنور ...ومفكر سياسي عريق , وله دور وبصمة في القرار السعودي ...
ربما أكثر من تحدث عن العقل في السلطة , وعرى العالم العربي ...حين بين كيف يغتال العقل لصالح الموظف هو المفكر السوري برهان غليون , وقبله عبدالرحمن الكواكبي ..حين كتب طبائع الإستبداد , ولم تكن مجموعة رسائل في السياسة بل كانت كتاباته , مقدمة لعلم الإجتماع السياسي ...
كنت أتابع حلقات (طوني خليفة ) منذ أن بدأت , وفي حوار هذا المذيع مع صفوة السياسين لدينا , لم أشاهد أي واحد منهم يقدم تشخيصا واقعيا للخلل في الدولة , بل كل ما تحدثوا عنه , هو تجارب شخصية ...وصراعات , وندم ...وعلاقات , لم أشاهد سياسيا أردنيا , يقدم تشخصيا للعلاقات الأرنية مع المحيط العربي , لم أشاهد موقفا ...اتجاه صفقة القرن , أو حتى تمردا على السياق الرسمي للتصريح ..وللأسف لم أشاهد سياسيا , تحدث عن مؤلف له ....أو عن حالة عربية مر بها , وأفرزت مشهدا سياسيا , باستثناء عبدالكريم الدغمي ..الذي دافع عن موقفه من محور المقاومة , وقدم أيضا مشهدا عربيا حين تحدث عن صفعه وزير من دولة شقيقة في (لوبي) فندق لبناني ...
في الأردن لايوجد سياسي بالمعنى الحقيقي للكلمة , لايوجد سياسي أردني له حضور على الساحة العربية ..مثل وليد المعلم أو مثل : وليد جنبلاط , أو حتى البرادعي في مصر ..بل يوجد موظف , يمارس السياسة ...وهنا تكمن المشكلة , فالحكومات في كل دول العالم هي بيوت السياسة ومدارسها , إلا لدينا ..فأحيانا تكون بيوت للأصدقاء والمعارف , وأحيانا للتكنوقراط ..وأحيانا للتجريب الإقتصادي .
في الأردن نحتاج لتحالفات العقل في مفاصل القرار , نحتاج إلى العودة لزمن عدنان أبو عودة ولو قليلا ...لزمن هاني الخصاونة مثلا : فهو قومي وبعثي , وكان مهندس العلاقة الجديدة مع العراق في الثمانينات , وصاغ مشهدا إعلاميا فريدا في الدولة ....نحتاج لمن هم من شاكلة الراحل أحمد اللوزي , الذي كان ماهرا في قراءة الواقع العربي , وصياغة الخطاب السياسي بما يجعل الأردن متقدما في هذا الواقع ....نحتاج أيضا لغضب طاهر المصري ورزانته , فهو في النهاية صاحب مدرسة وله حضوره الفلسطيني والأردني والعربي , وحتى الكباريتي إن اتفقت أو اختلفت معه , لكنه يملك موقفا رصينا ...في الحالة العربية , ولديه القدرة على صياغة مبادرة ..أو مشهد .
العقل هو الذي ينتج السياسي , والسياسي الأصل أن يحمل مشروعه الخاص , وأن يكون متنورا ..وحديثه يخرج من السياق الشخصي للفضاء الوطني الرحب .
أجزم أن النظام السياسي في الأردن , اعطى لمن وكلهم السلطة مساحات واسعة من الحركة والتفكير ..لكن أي واحد منهم لم يكن عقلا في السلطة , بقدر ما حشروا أنفسهم في زاوية الموظف العام , الذي يجيد التوقيع ..ويسير وفق الأنظمة والقوانين...لهذا وصلنا إلى مرحلة نفتقد فيها السياسي , ونفتقد المفكر في مفاصل الدولة .
كل الذين التقاهم طوني خليفة , لم يخرجوا من إطار التصريح الرسمي المؤدب ..لدرجة أن طوني خليفة سيعود إلى لبنان كنتاج للبيروقراط الرسمي المنضبط والمؤدب ...
الدولة لدينا تغتال العقل , ولهذا بعت كل ما أملك من كتب ...وها أنا أتعلم الان الفروقات المهمة بين البقدونس والكزبرة ..وأتعلم أيضا , طريقة فرم اللحمة , وخلطها مع الرز من أجل المحاشي ...في رمضان .
( 25) عاما من عمري في الصحافة أطارد الكتب كي أبني عقلي جيدا ....في حين أن كل الطرق التي اسير فيها تهدم , وقد صحوت على نفسي وإذا بي مجرد موظف ينتظر الضمان ...كي يتعايش في اخر العمر مع الضغط , ومنظمات التسارع ...وارتفاع الكوليسترول .
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير