هبوب الجنوب يكتب : مع الملك..
الثلاثاء-2019-05-21 10:12 am

جفرا نيوز -
كتب – هبوب الجنوب ..
ثمة فارق كبير بين الإستقواء على النظام , وبين الإستقواء بالنظام ...وماحدث في الربيع العربي , لم يكن ثورات بالمعنى الحقيقي والتفصيلي للثورة , بقدر ما كان حالات استقواء شعبية على الأنظمة المستبدة ,ففي ليبيا استقوى الشعب الليبي على بندقية القذافي ..وفي مصر استقوى الشعب المصري على زمن مبارك , وفي سوريا استقوى الشعب السوري وتحالف مع الخارج من أجل اسقاط النظام .
في الأردن الصورة مختلفة , فنحن لا نستقوي على النظام بل نستقوي بالنظام ...وربما الحالة الوحيدة التي , تم فيها الإستقواء على النظام في الأردن , هي حركة الضباط الأحرارمنتصف الخمسينيات من القرن الماضي ..وحكومة سليمان النابلسي , ولم تكن تلك الحركة تنظيما سريا له إطار وقائد ومرجعية , بقدر ما كانت جوا عاما داخل المؤسسة العسكرية , وحين حاولت فيما بعد حكومة سليمان النابلسي الإستقواء على النظام السياسي , سقطت ...ومن وقف لها الجيش , الذي استرد هيبته , واسترد قوة الدولة ...ووجودها .
تلك توطئة , تشرح لنا علاقة الحاكم بالمحكوم , في الأردن ....تشرح الخصوصية بين النظام السياسي والشعب ..وهذه الخصوصية غير موجودة في العالم العربي أبدا ...ويتفرد بها الأردن عن غيره ...
نحن الان نمر بمرحلة صعبة , وهي تحتاج منا ...أن نمارس أعلى حالات الإستقواء بالنظام السياسي وليس الإستقواء عليه ..وقد شعرت بخطورة المرحلة , حين شاهدت الإعلام الإسرائيلي , وكيف وظف استقبال رئيس بلدية الكرك للسياح الإسرائيلين , وكيف أعطاهم الدروع ...والتقط الصور معهم , علما بأن إسرائيل يوجد بها أكثر من (30) صحيفة ومئات المواقع الإخبارية , وكلها تعاطت مع الخبر بمساحات هائلة , والمقصد لم يكن ..إحتفاليا بقدر ماهي رسالة أرد اليمين الإسرائيلي توجيهها إلى مؤسسات الدولة الأردنية مفادها : أننا نستطيع إختراق البناء الإجتماعي الأردني , علما بأن المجتمع كله في هذه اللحظة وبكل أطيافه ملتصق بالقيادة في موقفها من القدس وصفقة القرن ....
إسرائيل لا تركز على الحوار الان مع القيادات في الأردن لأنها تعرف , أن عقيدة المؤسسات ..العسكرية والمدنية كلها مرتبطة , بالملك ..وهي تدرك أنك إذا سألت أي جندي أردني الان منه هو عدوك ستكون الإجابة إسرائيل ...ولكنها تريد استنساخ النموذج اللبناني ..وسأشرح لكم كيف .
في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات , كان القوى الوطنية اللبنانية , كلها متحدة مع المقاومة الفلسطينية , وكلها ترفع شعار قتال إسرائيل , ليست القوى الوطنية وحدها بل الأحزاب والطوائف أيضا , وكانت المقاومة الفلسطينية جزء من النسيج الوطني اللبناني , وتمثل حالة ملهمة ..ولكن اسرائيل قادت اتصالا سريا مع حزب الكتائب , وكان مهندس هذا الإتصال (كريم بقردوني) منظر حزب الكتائب وفيما بعد , دخلت إسرائيل للقضاء على المقاومة الفلسطينية , عبر إختراقها لشريحة مجتمعية وسياسية ونخبوية لبنانية , واعتبرت اتصال الكتائب بها المبرر والذريعة لإحتلال بيروت, حين قدمت للغرب ..حالات استنجاد الداخل اللبناني بها , وحاولت أن تقدم البندقية الفلسطينية كعبء على اللحمة والنسيج الوطني في لبنان ..ونجحت في إخراج المقاومة من بيروت ....وفيما بعد وحتى تقدم للغرب صو تحالفها مع الداخل اللبناني , أنتجت مجزرة صبرا وشاتيلا عبر حمايتها للقاتل ..وعبر تصوير نفسها المنجد والمخلص للبنان , وليس هناك أبلغ من دلالة على ذلك .. قصائد سعيد عقل التي كانت تتغنى بالمحتل وتحتفي به ..
ماحدث في الكرك كانت صورة أخرى لقصائد سعيد عقل , فقد احتفى رئيس البلدية للأسف بالمحتل , في حين أن النظام السياسي الأردني كان يقود معركة شرسة مع نتنياهو , معركة وجود ومعركة مصير ..ومعركة لا تراجع فيها .
أن ما يحدث على الساحة الأردنية , من محاولات الإستقواء على النظام , عبر بث الفيديوهات ..عبر الحديث عن الملك شخصيا وأسرته , هو لايمثل معارضة حقيقية ..ولا يخدم حالة التنفيس من الإحتقان , بقدر ما يعزز نظرية اسرائيل في تدمير الدول ..والتي تقوم على الإختراق الإجتماعي ...وزعزعة ثقة الناس بمؤسسات الدولة .
في بلادنا الحكومات , كلها بلا استثناء حالات بيروقراطية تفتقر للوعي الجماهيري , وتفتقر للوعي السياسي ..ولو قرأ الرزاز حادثة بلدية الكرك , لكانت ردة فعل الحكومة غير ذلك ..ولكنها في النهاية أغلب الحكومات استحقاق خارجي , له ضرورات تطبخ في الغرف المغلقة .
الملك عبدالله الثاني , لايقود الأردن الان ..لا أظنه في مشهد قيادة بلد , بل هو الان يقاتل لأجل البلد ..ونحن ندرك أن ازمتنا الإقتصادية مفتعلة , وندرك تمام الإدراك ..أننا جيران لجوار ثري , ينفق ملياراته بسخاء , ولأننا ندرك أيضا أن قرارا بسيطا وعلى مستوى وزير مالية في العالم العربي , قادر على حل نصف أزمتنا الإقتصادية ...علينا في ذات السياق أن ندرك أن الملك ذاته يعاني من ضغوط أعلى بكثير مما يعاني منه الشارع , فهم لم يتركوا له ساحة للمناورة ...ويحاولون تهميش دور وطن كامل , كي يكون في مرحلة ما تابعا وليس شريكا ..كي يكون موضوعا يبحث على الطاولة , وليس طرفا في حوار الطاولة له شروطه وقياساته للمشهد .
في هذه اللحظة أنا في أعلى درجات الإلتصاق بالنظام السياسي الأردني , وأظن أن المرحلة تستوجب منا أن نكون ..على مقربة من الملك , ونفهم صمته وحركته ...وكلي يقين أن (بنو هاشم) ..ينصفهم التاريخ , حتى لو كانت حراب أبناء العمومة موجهة للصدور , ومؤمن أيضا بالاية الكريمة : (إنما يريد الله أن ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا)..القصة ليست روحانيات , أو هروبا من الواقع بل هي حالة إيمانية , إضافة للحالة الوطنية .
الداخل الأردني عليه أن يتماسك الان , فالمعارضة لا تعني بث فيديوهات ..تستقوي على النظام , والنقد في هذه المرحلة ليس بالفضيلة ..مع أنني أؤمن أن سلوك الحكومات لاينتج سوى القلق ,وأنا مع استباحتها تماما في النقد ..ولكن علينا أن نحذر , فانقسام المجتمع لعنة خطيرة تخدم إسرائيل بالدرجة الأولى ومشروعها ..وأدوات إسرائيل حاضرة , والمؤسسات التي تعمل تحت مظلة السفارات ..وأذناب السفارات لهم حضورهم أيضا في المشهد .
الفيديوهات التي تبث من الخارج , وما يبث من الداخل ..وحالات الإستقواء على النظام , كلها صارت توظف لإعطاء الغرب كما قلت صورة عن انقسام المجتمع الأردني , وبالتالي تشكيل حالة ضغط على النظام السياسي الأردني ولفت نظره عن معركة خطرة يخوضها متعلقة بمصير البلد ومستقبله ...
أنا مع الملك , وأجزم أن التخاذل في هذه الفترة هو أشبه بالمؤامرة على الدولة , وعلينا أن نعيد التوازن في خطابنا الداخلي قليلا ..فالخصومة مع الحكومات أمر مشروع , وإسقاطها هو رسالة للغرب ..مفادها أننا لا نقبل بمنتجاتكم ...ولكن في الصورة المقابلة من المشهد , ثمة نظام سياسي أردني هو عنوان الدولة ,ورصيدها ومخزونها الأساسي ...من الكرامة والوجود ,وبصراحة مطلقة , النظام يعني الدولة ..وأي مساس به هو مساس بالدولة الأردنية ومستقبلها ...وأظن أننا نحتاج في هذه الفترة لمؤتمر وطني , يوضح حقيقة الضغوط ..وحجم التحديات التي يواجهها الملك في معركة المصير والحفاظ على الدولة , ونحتاج أيضا لصرامة في الولاء , فلا يوجد نصف ولاء أو ربع ولاء أو ولاء مدفوع ..فالولاء يجب أن يكون مطلقا ...
أنا مع الملك ..
مقاتل ومواطن ..وولائي مطلق له , وأظن أن هذه هي المعادلة الصائبة للمرحلة .

