الأردن… حوار مثير بين سياسي و«حلاق»
الأربعاء-2018-10-10 01:46 am

جفرا نيوز -
جفرا نيوز- بسام البدارين
يضحك سياسي أردني رفيع المستوى وهو يضعني بصورة حوار حصل بينه وبين الحلاق الذي يزوره لأغراض التنعيم وقص الشعر وتقليم الأظافر.
صاحبنا الحلاق أقر أمام السياسي أنه يعمل 12 ساعة على الأقل في صالون الحلاقة حتى يتمكن من الوفاء بالتزاماته المعيشية مشيرا الى أن لولا الراتب الذي يتقاضاه من سبع سنوات ودون أن يضطر للعمل لما تمكن من ادخال أولاده الى المدارس.
يسأل السياسي فورا: عن أي راتب تتحدث؟
يجيب الحلاق بزهو وغرور عن وجود اسمه منذ سبع سنوات في سجلات وكشوفات الرواتب التابعة لبلدية العاصمة عمان مع الاشارة الى أن أحدا ما تدخل قبل سبع سنوات لتقديم هذه الخدمة الخاصة له.
الحلاق بطبيعة الحال لا يختم بطاقة العمل ولا يوجد له مكتب ويكتفي بزيارة واحدة لدقائق كل نهاية شهر حتى يضمن استلام راتبه معربا عن سعادته أن أحدا في البلاد لا يسأله عن الدوام والعمل والوظيفة.
الإثارة تتجلى أكثر لأن صاحبنا الحلاق مستاء من جزئية بسيطة فراتبه الذي لا يعمل بدلا منه ثابت منذ سبعة أعوام وبدون زيادة ومقطوع ويتأمل أن يعمل الجهاز المالي في المؤسسة نفسها الى تحويل راتبه شهريا عبر الحساب البنكي حتى لا يضطر لهدر تلك الدقائق في نهاية كل شهر.
باختصار حلاقنا العتيد مسجل في بلدية العاصمة باعتباره «عامل نظافة» وهي وظيفة تدر عليه دخلا شهريا دون أن يضطر وطوال سنوات سبع الى مسك مكنسة او إزالة عقب سيجارة من أي شارع.
بكل حال تلك قصة معروفة وقديمة في الأردن والخلاف رصدته شخصيا بين عمدتين للعاصمة بحضوري الاول كان يتحدث عن 1800 موظف مسجل في الكشوفات لا يعملون فقط معتبرا ذلك جزءا من المسؤولية الاجتماعية والثاني يتحدث عن بطالة مقنعة قد يزيد عدد موظفيها في مؤسسات البلدية فقط عن خمسة آلاف.
ولأن هذه القصة أصلا قديمة ومعروفة للقاصي والداني ولم يجرؤ أي مسؤول على معالجتها حتى الآن على اعتبار أن هذه الحقوق المكتسبة جزء من منظومة الأمن الاجتماعي طبعا حسب التبرير الواهي الذي يقال هنا وهناك.
عليه سأضع شخصيا اصبعي على العين اليسرى لمن يزعم في بلادنا أنه صعق وفوجئ من إعلان مدير اكبر مستشفى حكومي عن مخصصات تدفع شهريا بقيمة ربع مليون دينار عل الأقل لموظفين في المستشفى لا يعملون ولا يحضرون للدوام.
كيف تقنع الحكومة الأغنياء بدفع المزيد من الضرائب لتمويل رواتب لموظفين لا يعملون
تجرا الدكتور محمود زريقات على اعلان ذلك بانتظار ان يتجرأ امثاله من كبار المدراء على اعلانات وطنية بهذا الحجم.
أبلغني صديق من العاملين في سلك الحكومة أنه زار إحدى مديريات الزراعة في جنوب المملكة وسأل المدير عن عدد الموظفين الذين يحصلون على مخصصات وعن عدد الأشجار.
تبين بعد التدقيق أن المدير البائس يقود فريقا من 1000 موظف محسوبين عليه لكنه اقسم بـأغلظ الايمان أن عدد الذين يحضرون للدوام يوميا لا يزيد عن عشرة موظفين.
المصيبة ليست في أن 990 موظفا لا يحضرون لدوامهم ولكن في أن هؤلاء القاعدين عن واجباتهم يعتصمون بين الحين والآخر ويطالبون بزيادة الرواتب.
عندما حسب القوم عدد الأشجار تبين أن تلك المحافظة يمكنها أن تتحول الى غابة تشبه غابات سويسرا لو زرع كل موظف شتلة واحدة فيها في كل يوم ثم ذهب لبيته.
بل على العكس تتساقط الأشجار المزروعة سابقا ولا يجد المدير الغلبان سبيلا لإقناع موظفيه بالحضور والعمل وعليه يستعين بالعمالة الوافدة.
لا أعرف أسلوبا لوصف هذه الحالة والتواطؤ معها وإن كان التعاطف قائما بكل حال مع أي أردنيين تدفع لهم مخصصات ورواتب شهرية لأنهم ينفقون في النهاية على اسرهم واحتياجاتهم ومعيشتهم.
لكن لا يوجد احصاء رسمي يحدد ما اذا كان قبض الراتب بدون وظيفة وعمل جراء صعوبة لقمة العيش ام الكسل والخمول والعادة والترهل فقد همس في أذني أحد مدراء بلدية العاصمة عمان قائلا إن عددا لا يستهان من المسجلين كعمال نظافة ويحصلون على رواتب بدون عمل مهندسون او حاصلون على درجة البكالوريوس الجامعية وبالتالي تنتفي الحاجة والمساعدة ويتكوم مفهوم الأمن الاجتماعي في اطار تكريس نمط الدولة الرعوية، الأمر الذي يبرر في النهاية بقاء الدولة كأم مرضعة حتى تتحكم ببقية المسارات.
تلك وصفة قديمة من اساليب الادارة نعرفها جيدا أسقطت كل معايير الانتاج التي تعرفها شعوب العالم وحولت ما يسمى ببعض هذه المكتسبات الى حقوق من الصعب التراجع عنها او ينتهي أي تراجع بمشكلة أمنية أكبر. كانت وصفة قد تصلح لبلاد صغيرة خالية من اللاجئين وتقوم بدور سياسي وأمني مهم في المنطقة وتحصل على مساعدات دولية بحكم الحدود مع الكيان الإسرائيلي المحتل او بحكم رعاية القضية الفلسطينية كما تحصل على المساعدات بسبب دورها الأمني في استقرار المنطقة.
اليوم تغيرت هذه المعطيات فالأردن تحت الضغط ودوره الإقليمي مستهدف وبحبوحة الخزينة لم تعد خيارا.
الأخطر والأهم هو ما يلي: كيف تقنع الحكومة الأغنياء وأفراد الطبقة الوسطى بدفع المزيد من الضرائب لتمويل رواتب لموظفين لا يعملون وبالتالي الدفع مقابل خدمة غير موجودة في القطاع العام ؟

