د. نبيل الشريف وزير الاعلام الاسبق
أظهرت أحداث الأيام الماضية أن لدينا في مجتمعنا ومنظومتنا القيمية مشكلة حقيقية في قبول التنوع والإختلاف ، ويبدو أن كثيرين منا يعتقدون أن إختلاف الآراء والأفكار والإنتماءات يجعل من الآخر عدوا ينبغي نبذه وإقصاؤه ووسمه بكل الصفات الحاطة من الكرامة.
تغنينا كثيرا بالتنوع والتعددية ودبجنا القصائد في الإنفتاح والتشاركية والتعاون ، ولكننا أخفقنا عند أول إمتحان ، وظهرت النفوس على حقيقتها ، ولم ينج من هذا طرف أو لون سياسي.
فقد أظهرت نتائج إنتخابات نقابة المهندسين أن البعض ليس لديه الحد الأدنى من الكياسة لقبول النتائج بروح رياضية وترفع وخلق قويم ، فراح يرغي ويزبد ويسم الناس بمختلف الأوصاف التي تعكس إفلاسا خطيرا في مفاهيم تداول السلطة وإحترام الصندوق والتعامل بواقعية مع إفرازات العملية الديموقراطية.
ولكن الأطراف الأخرى لم تكن " ملائكية " هي الأخرى في ردود أفعالها ، فقد إنحدرت إلى درك النبذ والإقصاء والتشفي ، وطالبت بترحيل معارضيها السياسيين خارج البلاد.
ورغم أن أحداث الأسبوع الماضي كانت مؤلمة وموجعة في كثير من تفاصيلها ، ولكنها كانت أحداثا كاشفة أيضا . وأحسب أن المجتمعات تحتاج أحيانا إلى صدمات من هذا النوع لتكتشف ذاتها وتعرف أزمتها الحقيقية.
لقد أظهرت تلك الأحداث إلى أننا لم نتعلم بعد فن الإختلاف ، وهو الفن الذي يقوم على حقيقة أن كل مايقدمه البشر من أراء وأفكار هي مجرد إجتهادات تحتمل الخطأ والصواب ، وأن جمال الحياة يكمن في التنوع. ولنا أن نتخيل لو أن الطبيعة من حولنا أخذت شكلا واحدا أو أن الفصول كانت على وتيرة مملة واحدة.
فإذا كانت روعة الحياة مرتبطة بهذا التنوع ، أفليس من المنطقي والطبيعي أن تتابين الأفكار والإجتهادات ، فيصبح من الواجب والضروري إحترامأصحاب الأراء الأخرى ، حتى وإن وقفنا من آرائهم موقف المعارضة المطلقة والإختلاف الكامل؟
لقد كشفت الأحداث الأخيرة أننا في حاجة إلى تعلم فن الإختلافالذي يقوم على إحترام الأراءالمخالفة وعدم التطرق بسوء إلى أصحابها رغم إختلافنا الكامل مع هذه الآراء ، فالتفريق بين الشخص وبين النص أمر ضروري، فقد يخضع النص إلى التشريح الفكرى وتبيان نقاط الضعف التي يتضمنها ولكن الشخص يجب أن يبقى دائما خارج الموضوع.
إن علينا البدء في برنامج وطني لمعالجة هذه القضية من جذورها ، فقد تبين أن كثيرا من رواد العمل السياسي ومن القائمين على توجيه الرأي العام لايمكن أن يكونوا قدوة للمجتمع في مجالقبول الرأي الآخر والتعامل مع فن الإختلاف ، فقد فشلوا فشلا ذريعا في الإمتحان الحقيقي وإرتدوا إلى المربع الأول من التنابذ بالألقاب ورفض الآخر وإقصائه وتهميشه.
إن الأمل معقود على الأجيال الجديدة التي ينبغي أن نمكنها من تعلم فن الإختلاف من المراحل الأولى في المدارس ، وهذه مسؤولية وزارة التربية ، فعليهاأن تُدخل ضمن مناهج سنوات التعليم الأولى دروسا وتطبيقات عملية حول فن الإختلاف ووضع الطلاب في أجواء حقيقية يتعاملون فيها مع أصحاب آراء يختلفون معها ، مع التأكيد على حقهم في رفض الآراء والأفكار التي لاتتناسب مع قناعاتهم ، ولكن ليس من حقهم الحط من كرامات أصحاب هذه الأفكار.
إن وزارة التربية مطالبةبالنظر في إدخال ( فن الإختلاف) ضمن مفاهيمها التربوية الأساسية التي نجد إنعكاسها في المناهج.
إنها لو فعلت فستكون قد أسدت الكثير من الخير ليس فقط للأجيال القادمة ، ولكن بإتجاه تعزيز مفاهيم الديموقراطية ووزيادة منعة المجتمع بأسره والتأسيس لواقع سياسي وإجتماعي أفضل بعيدا عن مفاهيم الإقصاء والتهميش ونبذ الآخر.