جفرا نيوز - د. مراد الكلالدة
لقد حولت الدولة الاردنية بوصلتها التخطيطية منذ عشر سنوات ونيف نحو تمكين القطاع الخاص من قيادة العملية التنموية بحيث فتحت الأبواب للإستحواذ على مفاصل الإقتصاد في النقل والصناعة والزراعة لدرجة أن القطاع الخاص أصبح شريكا في النشاطات الأمنية والعسكرية. فقد وردت عبارة في البند السادس من الشروط المرجعية لدراسة تقييم الأثر البيئي لمشروع الأكاديمية العسكرية الملكية في منطقة برقش والتي نوقشت في الورشة التي عقدت مؤخرا في عمّان بوجود مندوبي القوات المسلحة الاردنية والمستشار البيئي" الشامل للهندسة" مفادها (الجهات المعنية بالمشروع Stakeholders الحكومية وغير الحكومية) بما يعني أن هناك مساهمين لم تحدد طبيعتهم ولا نسبة الأسهم التي يستحوذون عليها في هذا المشروع. وعلى الرغم من عدم القناعة بما يروج له من أن الهدف من إنشاء الكلية العسكرية في برقش هو لغاية تنموية، وبما أني أحد أعضاء الحملة الوطنية لإنقاذ غابات برقش من الإعدام فاني أجد لازاما علي أن أعرض الأسباب العشرة لمعارضتنا إقامة الكلية العسكرية في برقش من الناحية التخطيطية:
1. القوانين: يتوجب على المخطط أن يراعي القوانين سارية المفعول عند البحث عن الموقع المفضل لأي مشروع فلا يعقل أن يختار مستثمر البتراء الوردية لإقامة مدينة صناعية كونها محمية بمجموعة قوانين تمنع ذلك. وكذلك فإنه من غير المقبول أن يختار مستثمر غابة لوضع مشروعه وسطها كونها محمية طبيعية محصنة بقوانين الحراج والبيئة التي تمنع قطع الأشجار، فلماذا يضع المساهمين في المشروع العقدة في المنشار ويتم الإصرار على هذا الموقع بالذات دون خلافه؟
2. الطوبوغرافية: يجب أن تتناسب طبيعة المشروع مع طوبوغرافية الموقع المستهدف حيث لا ينصح بالبناء على الجبال الوعرة لعمل ساحة الموكب Parade Square أو الملاعب وإستاد كرة القدم أو المهاجع وهذه مقتبسة من بعض الفعاليات المقترحة في الكلية، حيث يتطلب ذلك تسوية الارض بشكل أفقي بما يعني قطع في الجبال بأحجام خيالية.
3. خط الأفق: تعرف الجبال بشكلها نصف الكروي وتشكل الأشجار في مثل هذه المناطق خط أفق Silhouette من النهايات المدببة للأشجار. وعلى إفتراض السماح بالبناء في الغابة فإن الأحكام التنظيمة لا يجب أن تسمح بأن ترتفع المباني فوق خط الأفق. وعليه، فإن عدد الادوار المسموح بها لن يتجاوز الاثنين مما يحتم على المصمم التوسع افقيا للحصول على المساحات المطلوبة، وهذا يعني قطع مزيد من الأشجار لتفادي التوسع العمودي.
4. الطرق: تصمم الطرق لخدمة المباني والمرافق ويحكمها مراجع تصميمية من حيث العرض والميول. وبالرجوع إلى نظام الجمعية الامريكية للطرق والنقل AASHTO فإنه يحظر زيادة الميول في مثل هذه الحالة عن 12% بما يعني عمل تعرجات كبيرة وزيادة أطوال الطرق كون ميلان الجبل قد يصل إلى 70% وأكثر. وتقدر أطوال الطرق المعروضة في التصميم ب (5000) متر طولي. ولحساب المساحة نضرب عرض طريق مكون من مسربين ورصيف مشاة وكتف خدمات ويساوي (15) متر لنصل إلى ما مساحته (75) دونم.
5. الجدران الإستنادية: تزداد الحاجة إلى الجدران الإستنادية كلما زاد ميلان قطعة الأرض مما يحتم عمل القطع أو الطمم للحصول على مسطحات أفقية صالحة للإستخدام. وتحتاج هذه الجدران إلى قواعد عريضة قد يصل عرضها إلى نفس إرتفاع الجدار، ومثال ذلك جدار بإرتفاع سبعة أمتار سيحتاج إلى قاعدة بعرض (5-7) متر تمتد على طول الجدار والذي يقدر حسب التصميم المقدم من الكلية العسكرية (1500-2000) متر طولي بما يعني أن المساحة المخصصة لذلك ستكون (9000-12000) متر مربع أي (9-12) دونم.
6. البنية التحتية: بما أن المشروع يقع ضمن محمية طبيعية لم تصلها يد العبث الإنساني بعد، فإن خدمة المشروع ستحتاج إلى شبكة معقدة من البنية التحتية من صرف صحي وخزانات مياه علوية وسفلية ومحطة تحويل كهربائي وخطوط ضغط عالي ومنخفض وشبكات إتصالات. وتقدر مساحة هذه المسارات بحوالي (10) دونم وسيكون لها أثر كبير في تدمير النظام البيئي تحت الارض وفوقها. هذا بالاضافة إلى شح موارد الطاقة والمياه في تلك المنطقة مما يحتم جلبها من مناطق بعيدة قد تصل إلى أربد أو جرش وما بينهما.
7. التنوع البيئي: وهو نظام معقد تطور وأستقر عبر مئات السنين فالأشجار والطيور والغزلان والزواحف تتعايش بجانب بعضها البعض مشّكلة هذا النظام البيئي المتكامل الذي سيدمر عند وصول أول مجنزرة وأول منشار قص. كما أن السياج المزمع إقامته حول الكلية سيقطع التواصل في هذا النظام البيئي وسنشاهد لا قدر الله أشلاء الحيوانات معلقة على هذه الأسيجة.
8. الزلازل: بالعودة إلى الخريطة الزلزالية للأردن نجد أن المشروع يقع ضمن المنطقة (أ) وهي الأخطر كونها مطلة على حفرة الإنهدام التي تمتد من الأغوار حتى العقبة. وفي حال تصميم المنشآت ستكون مكلفة جدا لمجارة متطلبات الكودة الأردنية للوقاية من أفعال الزلازل.
9. الآثار: لقد استغل الانسان القديم الأشكال الطبيعية من جبال وكهوف للسكن والحماية. وعلى الرغم من أن منطقة جبال عجلون غير مكتشفة أثريا، إلا أن هناك ظواهر إستيطان بشري تعود إلى آلاف السنين. كما أن هناك تكوينات طبيعة غير مستغلة سياحيا مثل مغارة برقش وأخرى غير مكتشفة حتى الآن سيكون من الصعب الوصول اليها في حال تحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة.
10. المجتمع المحلي: يجب أن يراعي المخطط التنموي تركيبة وحاجات المجتمع المحلي الذي يعاني من إرتفاع معدلات الفقر والبطالة وهو في أمس الحاجة إلى مشاريع تنموية تتفاعل مع الناس ولهذا فإن إختيار الكلية العسكرية المسيجة سيقطّع أوصال المنطقة وسيكون من الصعب التفاعل مع الناس نظرا للصبغة الامنية المغلقة التي تتمتع بها مثل هذه المشاريع. هذا بالاضافة إلى رغبة الناس هناك بإعادة الحياة إلى النمط الزراعي الذي كان سائدا مع تفعيل للسياحة البيئية والتي تتناقض مع مشروع سيغلق المنطقة بالبوابات والاسيجة وأنظمة المراقبة. ولو تم إستغلال كلفة المشروع المقدرة بمليار دينار لخدمة المجتمع المحلي لتم نقل أبناء المنطقة من حالة العوز إلى حالة الإعتماد على الذات.
وإستنادا إلى ما ذكر سابقا فإن المساحة المخصصة للأبنية والساحات والطرق والجدران الإستادية والملاعب والبرك ومحطة التنقية والبنية التحتية ومهبط الطائرات وميدان الرماية ومواقف السيارات ستحتاج إلى مساحة أفقية تقدر بحوالي ثلث مساحة الأرض المخصصة والبالغة (1425) دونم أي حوالي (430) دونم. وإذا ما عرفنا بأن الدونم الواحد يحتوي على حوالي (50) شجرة فإن عدد الأشجار المنوي قطعها سيكون (21500) واحد وعشرون ألف وخمسمائة شجرة خلافا لحسابات مندوب المساهمين الذي صرح أمام الحضور في الندوة بأن عدد الأشجار المنوي قطعها هو (100) شجرة. وأترك القرار للقاريء الكريم لدعم حملتنا للضغط للبحث عن مواقع بديلة أكثر ملائمة من غابات برقش وحمايتها من الإعدام.