توقيت القرار الأميركي
الخميس-2018-01-29
جفرا نيوز -
جفرا نيوز
توقيت القرار الأميركي
المخرج محمد الجبور
في عام 1990، وبضغط من اللوبي الصهيوني النافذ في الولايات المتحدة، صدر عن الكونغرس الأميركي قرار ينصّ على نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس المحتلة؛ وفي عام 1995، وفي ذروة مفاوضات أوسلو في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون، صدر عن الكونغرس الأميركي "قانون نقل السفارة” الذي تضمّن ثلاثة بنود: 1- بقاء القدس موحّدة وغير مجزّأة، 2- الاعتراف الأميركي بالقدس الموحّدة عاصمة لإسرائيل، 3- إلزام الإدارة الأميركية نقل السفارة من تل أبيب في أي وقت ملائم؛ وأجاز القانون للإدارة تأجيل قرارها بهذا الخصوص مدة ستة أشهر قابلة للمراجعة بناءً على طلب الرئيس بحسب تقديراته لأثر القرار على الأمن القومي الأميركي. وقد استنكف الرؤساء الأميركيون منذ ذلك التاريخ عن اتخاذ هذه الخطوة، بمن فيهم الرئيس جورج بوش الإبن الذي وقّع قانون القدس الموحّدة في أيلول/ سبتمبر 2002.
في 6 كانون أول/ ديسمبر 2017، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قراره بالاعتراف بمدينة القدس عاصمة لدولة "إسرائيل”، طالبًا من وزارة الخارجية الأميركية اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل السفارة الأميركية إليها خلال أربع سنوات من تاريخه، وبرّر ترامب قراره بأنه يُريد به "تحقيق مردود إيجابي على عملية السلام الفلسطيني- الإسرائيلي”، ولأن الولايات المتحدة "سوف تؤيد حلًا يُرضي الدولتين في حال وافق عليه الطرفان”. وبعد الزوبعة التي أثارها القرار، في المنطقة والعالم، حاول الرئيس والمسؤولون الأميركيون امتصاص هذه الصدمة بالقول: "إن الخطوة الأميركية تعاملت مع أمر واقع قائم، حيث أن مؤسسات الحكومة الإسرائيلية كلها موجودة في القدس، كما أن الخطوة الأميركية لا تؤثر في مخرجات السلام، ومنها تحديد الحدود المعينة للسيادة الإسرائيلية، وهي متروكة لعملية التفاوض بين الطرفين”.
كثيرة هي الأسئلة التي أُثيرت حول توقيت القرار الأميركي، في محاولة للوقوف على دوافعه وفهم التطورات القائمة أو المحتملة في المنطقة، وجعلت من الولايات المتحدة تتجاوز كثيرًا من المحاذير التي كانت تأخذها في الحسبان في المراحل السابقة، ومنها إحراج حلفائها العرب في قضيّة حسّاسة مثل قضية القدس، أو حتى المغامرة بعملية السلام برمّتها وهي التي رعتها منذ ربع قرن على ضآلة الحصاد الذي جنته بسبب التعنت الإسرائيلي، كما تباعد مواقفها مع المواقف الأوروبية بهذا الخصوص المتعارضة بشكل شبه مطلق مع موقف وسياسة الحليف الأميركي.
لكن، من المفترض أن هشاشة الوضع العربي وعجزه عن الوقوف في مواجهة خطوة أميركية من هذا العيار، دفعت الرئيس الأميركي إلى اتخاذ مثل هذا القرار؛ ذلك أن النظام الرسمي العربي، والوضع العربي على وجه العموم، الذي شهد مسارًا انحداريًا منذ سبعينيات القرن الماضي، فقد عناصر قوته وبات مكشوفًا منذ حرب الخليج الثانية، وما زال في حالة تدهور وانحدار. ومن غير المتوقع أن تأخذ الإدارة الأميركية مواقفه في حساباتها. أما الشعوب العربية فقد أنهكها الاستبداد والحروب المستعرة في أغلب ساحاتها، فضلًا عن التدخل الخارجي متعدّد الأطراف والمشاريع والأدوات.
من هنا، فإن التوقيت يبدو ملائمًا للسياستين الأميركية والإسرائيلية للإقدام على مثل هذا القرار، وعليه فإنه إذا كان توقيت القرار الأميركي قابلًا للتفسير، فإن دوافعه وما يمكن أن يتبعه من مشاريع وتطورات تتعلق بمستقبل المنطقة أو الصورة التي يمكن أن ترسو عليها، بما فيها عملية السلام، ستبقى محطّ التساؤل والبحث عن أجوبة