أحاديث العيد !
الأربعاء-2017-09-06 09:35 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز
الدكتور يعقوب ناصر الدين
كل عام وأنتم بخير ، جملة نقولها بمناسبة
الأعياد ، لنتبادل بها التعبير عن امنياتنا الطيبة ، لنا ولبلدنا وأمتنا ،
فالخير نعمة تعم على الجميع ، وتظل ناقصة إذا كانت فردية ذاتية .
وكما
هي عاداتنا الطيبة في كل عيد نلتقي لنتبادل التهاني والأحاديث في حالة من
التناقض العجيب بين تلك المشاعر الدينية ولاجتماعية ، وبين حالة الانزعاج
والقلق وعدم الرضى التي تطبع أحاديثنا عن الأحوال العامة ، وأحوال أمتنا
الممزقة والمدمرة والمظلومة بالاحتلالات الظاهرة والخفية ، وكأننا نستعيد
المتنبي وهو يقول 'عيد بأية حال عدت يا عيد - بما مضى أم بأمر فيك تجديد '
تناقض نستطيع فهمه ونحن نعيش مرحلة غامضة ومعقدة ليس في منطقتنا وحسب ، بل
في العالم كله !
ومن الطبيعي أن نستعيد الماضي الذي يبدو متألقا
بالمقارنة مع ما نحن فيه ، وغالبا ما يكون مرتبطا بأيام خلت ، ورموز رحلت ،
لكنها ظلت باقية في الوجدان لما أظهرته من وطنية حقيقية واضحة وضوح الشمس ،
عززت الإحساس بالمجتمع والفخر بالدولة ومصالحها عند الناس ، وتعلقهم
العاطفي بالوطن ومحبته والتفاني من أجله .
والوطنية ليس محصورة بمن
نسميهيم رموزا وطنية ، بل بكل شخص يحب بلده ويدعم سلطتها ، ويصون مصالحها ،
ولكن الرموز الوطنية في بلدنا – وكانوا كثرة في زمن مضى – فهم أولئك الذين
ضحوا بفرديتهم لصالح الدولة ، وكانوا أول رواد الحوكمة الذين أرسوا قواعد
القانون والنظام والعمل المؤسسي ، ومارسوا النزاهة في أرقى مظاهرها !
ولأن
الأحاديث غالبا ما تتركز على الرموز السياسية ، ودائما لا إجماع على
السياسيين في أي مكان من العالم ، فإن المعادلة تظلم رموزا كان أثرها عميقا
في بناء الدولة ومنهم أولئك الذين وضعوا أساسات صروح اقتصادية وطبية
وجامعية وغيرها ، من لا شيء ، واسسوا خطابا ثقافيا وفكريا وتاريخيا عظيما ،
والأهم من هؤلاء جميعا أولئك الذين ضحوا بأرواحهم وما زالوا دفاعا عن
الوطن وأمنه واستقراره .
وحسنا تفعل الجماعات والمنتديات التي تستذكرهم
من وقت لآخر ، ولكن تنمية الروح الوطنية التي نحن في أمس الحاجة إليها
تحتاج إلى رؤية حان وقتها لاستحضار الرموز الوطنية ليس من الماضي وحسب ،
ولكن من الحاضر أيضا ، من أجل تعميم صورة نقية عن المجتمع والدولة ، وتحقيق
نهج تقدمي للتعليم ، والنظم الإعلامية لترسيخ تلك الصورة ، ووضع معايير
للمواطن الصالح .
ولعل الاحتفاء بالمتميز ، والتكريم للمتفوق والمخترع
والفائز هو في حد ذاته نوع من توسيع مفهوم الرمز الوطني وتجديده ، فذلك ما
تفعله دول عظمى ، تعمد أحيانا إلى خلق عدو أو خطر خارجي لتعزيز الانتماء
الوطني لدى شعوبها ، وتعظيم روح التضحية في سبيل الأوطان !
أما نحن
فيكفي أن نعتز بإنجازاتنا ، والتغني بربوع بلادنا ، والتفاؤل بمستقبل
أبائنا والتمسك بالأمل والثقة بالنفس ، فقد كانت بعض أحاديث العيد معتمة حد
الاختناق !