النسخة الكاملة

الحكومة «حامل»… سخرية الأردنيين بالطعم المر

الأربعاء-2017-08-23 01:03 am
جفرا نيوز - جفرا نيوز- بسام البدارين
لا أعرف سببا يدعو رئيس الوزراء الاردني الدكتور هاني الملقي إلى تحديد سقف زمني مدته تسعة اشهر، حتى يتلمس المواطن ما يسمى بإيجابيات الاصلاح الاقتصادي. ولا أعرف بصورة محددة ما اذا كانت الحكومة تعرف بدورها عم تتحدث وعن ماهية تلك النتائج الايجابية التي تحتاج تسعة اشهر فقط. ردة فعل الشارع الاردني كانت مغرقة جدًا في السخرية، حيث بادر الاردنيون إلى تقديم الشكر لرئيس الوزراء على اساس ان حكومتهم دخلت مرحلة الحمل. النكتة السياسية والسخرية في الاردن وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، حيث عجائب وغرائب لا يمكن توقعها ولا حتى تخيلها. أعلم شخصيًا من خلال المصادر المتاحة جميعها وغير المتاحة، أن الاجتماعات المركزية للدولة تحذر دائمًا من تقديم وعود لا يمكن تنفيذها، خصوصًا في الموضوع الاقتصادي والمالي. وأعلم بالمقابل أن تكتيك رئيس الوزراء لفترة الحمل المشار اليها له هدف محدد، فهو يقايض مستويات القرار ببقاء حكومته حتى شهر حزيران/يونيو المقبل، كي يكمل مشواره فيما يسمى بالإصلاح الاقتصادي، بمعنى رفع الاسعار والضرائب. بمعنى آخر يمكن ان يكون الهدف هو الحرص على اثبات ان الحكومة الاردنية ضرورة وطنية على الاقل حتى شهر حزيران/يونيو المقبل. يعلم اصحاب القرار ان الملف الاقتصادي والمالي مقيد بعشرات المناخات والظروف والاعتبارات السياسية ،الاقليمية والدولية، وبالتالي اطلاق وعود من هذا النوع أصلا دليل اضافي على الارتجال والتخبط والعشوائية في مخاطبة الرأي العام، لأن أي مشروع اقتصادي رقمي يحتاج إلى بيئة سياسية مستقلة، ولأن رهانات حكومة الملقي على تزايد نسبة النمو الضئيلة التي تحققت بعد عجز الميزانية وتعويضه ليس شرطا ان تستمر. خطاب عجيب إلى حد ما التقطه الشارع بسخرية مرة حيث طالب بعضهم بولادة مبكرة بعد سبعة اشهر، واقترح البعض الآخر الاجهاض مبكرًا، وتوقع بعض ثالث الطلاق البائن مع حكومة الملقي بعد اخفاقها في تلك الولادة. حسبة بسيطة، يتحدث الخبراء عن نحو عشرين مليار دولار على الأقل، وعد وزير التخطيط الحالي الاردنيين بها خلال الأربع سنوات التي قضاها وزيرًا في حكومتين متتاليتين. لم تحظ هذه المليارات وقيمة الاستثمار لا تذكر خلال السنوات نفسها. الطاقم الاقتصادي العامل مع الملقي تبدّل وتغيّر مرتين، وهي اشارة تظهر صعوبة التنبؤ والتكهن أصلًا، خصوصًا ان دولة رئيس الوزراء المعروف بحسن نواياه وطواياه لم يحدد للأردنيين مساحات الفرح والسرور التي ستطالهم بعد الولادة المنشودة. المسألة تبدو اشبه بالقصة التراثية المشهورة عن غلي الحصى في القدر لإيهام الاطفال الجوعى بان الطعام وشيك. تلك مغامرة كبرى، فمصداقية الحكومة لدى الشارع اصلا متدنية جدا، ويعتقد ان المواطن الاردني المحبط المكتئب لا يحتمل المساس بالمزيد من المصداقية الرسمية، حيث لا مجال لحمل وهمي او كاذب مجددا. الوقائع على الارض تقول بما فيها تلك التي يوثقها وزير الارقام والمالية عمر ملحس: بان النجاح في التأهل عبر برنامج صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة يحتاج ايضًا قبل موازنة عام 2018 إلى تدبير نصف مليار آخر بعدما تم تدبير النصف الاول في العام الحالي عبر سياسة واحدة فقط هي الجباية ورفع الاسعار والضرائب. عليه يصبح المقصود من مناشدة الأردنيين الصبر لتسعة اشهر اضافية هو الاهم ضمنيا بان الاسعار والضرائب سترتفع مجددا ومع مطلع عام 2018، وبان ذلك سيؤهل الحكومة للاقتراض الدولي والتنوع في الاستثمار، وبالتالي زيادة نسبة النمو الاقتصادي. بمعنى آخر، تعد الحكومة الاردنيين بمشروعات ونشاطات جديدة ووظائف طازجة، لكنها لا تعدهم بانخفاض الاسعار وزيادة الدخل المتآكل. كل من اعرفهم من خبراء السياسات الاقتصادية استغربوا ميل الحكومة العجيب لتحديد اسقف زمنية في ظرف اقليمي وسياسي حساس مفتوح على الاحتمالات كلها، بما فيها سيناريوهات التعمق في فلسفة الاعتماد على الذات خصوصًا بعد الاخفاق الذي اقرت به المؤسسات المرجعية بعنوان جذب وبيئة الاستثمار. ومن هنا يمكن القول: ان اطلالة رئيس الوزراء المتلفزة برغم انها تبدو محاولة بحسن نية لتحريك الواقع ودفع مستويات التفاؤل، الا انها لم تكن موفقة عندما تعلق الامر بالتحديد الزمني، فهذا سلاح ذو حدين دومًا، خصوصًا ان مصداقية الحكومة متهالكة كما ان طاقمها الاقتصادي تغير أصلا في اقل من عام، ومنجز نسبة النمو الاقتصادي الطفيفة كان منجزا للشعب الذي صمد وصبر على الظروف الصعبة ويستحق الشكر. ازعم ان الشارع الاردني لم يلتقط وعد رئيس الوزراء بجدية، فرفع نسبة النمو الاقتصادي اصلا عبر رفع الاسعار والضرائب مجددا لا يمكنه ان يكون حلا لمعضلة الواقع، والشعب بحاجة إلى ما هو اكثر قليلا من عدة آلاف من الوظائف الجديدة في معالجة جزئية لمشكلة البطالة. الشارع الاردني يحتاج لمبادرات سياسية واجتماعية على قدر التحدي وبالتأكيد يحتاج إلى ما هو اعمق وابعد من وهم الحمل الكاذب، الامر الذي انتج اصلا مستويات تلك السخرية المرة. النكتة السياسية تتصدر بقوة أفواه وأقلام ووسائط تواصل الأردنيين.. ذلك نبأ قد يكون سارًا، لكنه برأي الخبراء قد يعكس حالة ذهنية عبثية تسقط الألم وتؤشر على الاحتقان.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير