الدستور.. «51» عاما من المواجهة
الإثنين-2017-04-24 09:30 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز
كتب محمد داودية
في تشرين الأول 1991 رشحني معالي عبد الكريم الدغمي، وكان وزيرا للعمل في حكومة دولة طاهر المصري، لرئاسة مجلس إدارة الدستور، وقد عملت «رجالة الله» على احباط مسعى ابي فيصل، ولما التقينا كان متأثرا جدا لضياع فرصة مهمة على جيلنا.
كانت «الدستور» آخر صحيفة عملت فيها كاتبا للمقالة اليومية «عرض حال» قبل ان اتشرف بالعمل «مديرا للاعلام والعلاقات العامة للديوان الملكي» في آب عام 1992، حينذاك، كتبت مقالة وداعية عنونتها بـ «الى اللقاء».
لقد حملت صحيفتا الدستور والرأي، قضايا النظام والوطن، عقودا مديدة مريرة، وكان صحافيوها والصحافيون الأردنيون عموما، قوات حجاب باسلين، في التصدي للهجمات الإعلامية الشرسة والظالمة، التي تعرض لها الأردن على امتداد قيامته.
لقد دفع الصحافيون ورؤساء التحرير اثمانا فادحة من اجل حرية الرأي والحريات العامة، تفاوتت في قسوتها، بين المنع من الكتابة، والفصل من العمل، واقصاء رؤساء التحرير وعزلهم واغلاق الصحف وسحب ترخيصها، وتلك قصص أخرى يجدر ان تسجل.
اليوم تعاني صحيفتا الدستور والرأي، معاناة فظيعة، اقلها عدم توافر رواتب الصحافيين والعاملين لعدة شهور، بما يوشك أن يمس الروح المعنوية، الضرورية للقيام بالواجب والكتابة بحماسة واندفاع وتحرر من ضغط الالتزامات الشهرية القاهرة التي عانيتها صحافيا.
قال الإمام الغزالي: أخبرني الخادم بنفاد الطحين، وكان في رأسي ألف مسألة ومسألة، نسيتها كلها.
في الـ 16 من شباط 2016 قلت في الاحتفال الذي دعاني اليه الأستاذ باسم سكجها بمناسبة العيد العاشر لانطلاقة مجلة اللويبدة في المركز الثقافي الملكي:
(( أرجو أن نعمل من اجل دعم الإعلام لمواجهة خطر الإرهاب والغلو والتطرف، وان نتوقف عن اعتبار دبابة 72 -T وحتى دبابة 90-T وأبرامز M ، أهم من صحيفة الدستور ومن مجلة اللويبدة )).
ونحن، في الأردن وفي الإقليم وفي العالم، نخوض حربنا الثقافية على الإرهاب:
هل ننحر صحفنا التي ذادت عنا ؟
هل نضع سلاحنا الأمضى في مواجهة هذا الوباء المتزايد الانتشار؟
هل نحيل الى التقاعد، كتابنا وصحافيينا، قادة الرأي العام وصائغيه، المحبوبين الموثوقين، بدعوى افول نجم الصحافة الورقية، الذي سيظل نجمها بازغا الى ثلاثة عقود قادمة ؟
تعكف الأمم في المعدل، نحو عقد من الزمان، على إنجاز كاتب او فنان، فالأثر الذي يخطه الكاتب والفنان، يخلد الى الأبد، كما في الإلياذة والأوديسة وجلجامش ولوحة الجرنيكا ونهج البلاغة والقانون في الطب وكليلة ودمنة وأغاني الاصفهاني ومقامات الهمذاني وطوق الحمامة لابن حزم ونبي جبران والأم لغوركي والبؤساء لهوجو وذهب مع الريح لمارغريت متشيل والحرب والسلام لتولستوي والدون الهادئ لشولوخوف وثلاثية نجيب محفوظ ورجال في الشمس لكنفاني وقواعد العشق الاربعون لشافاق والزمن الموحش لحيدر حيدر والاقدام العارية للطاهر عبد الحكيم واللاز للطاهر وطار ونجران تحت الصفر ليحيى يخلف وحين تشيخ الذئاب لجمال ناجي وثلاثية سهيل ادريس وقوقعة مصطفى خليفة.
الدستور والرأي، الصحيفتان اللتان تعانيان اليوم، ضائقتين ماديتين، مختلفتي الأسباب، هما مؤسستان اعلاميتان ثقافيتان وطنيتان، وليستا شركتين تجاريتين يخضع منتجهما الوطني الى عناصر الربح والخسارة التقليدية.
الرأي والدستور، اللتان حمتا اليقين الوطني، وصانتا الإنجازات، وذادتا ذودا باسلا عن نمط الحياة الأردني وعن النظام السياسي، يجب ان تدعما، من الدولة ومن مؤسسات الوطن وشركاته، وان تتم حمايتهما، كما حمتا الوطن، في محنه الكثيرة الماضية وفي تحدياته الكثيرة القادمة.
أعود الى «الدستور» مزودا بآمال كبار وأمامي تحديات كبيرة، فمنذ متى كانت مهماتنا خفيفة وأجسامنا رهيفة !!