لم يرسب أحد بل رسب البلد !.
السبت-2017-04-14 08:47 pm

جفرا نيوز -
جفرا نيوز- كتب: ابراهيم عبدالمجيد القيسي.
ليس من عادتي التحدث بنصف كلمة؛ خصوصا حين يتعلق الأمر بالتعليم العام والعالي، ولا يلزمني التأكيد هنا بأنني أكثر كاتب صحفي تناول قضايا التعليم في السنوات العشر الأخيرة، وحول قرار وزير التربية الغاء نتيجة راسب في التوجيهي علقت بأن هذا لن يحل مشكلة التوجيهي ولا مشكلة التعليم العالي، بل سيتسبب بانتاج مشاكل جديدة، وضغط على الجامعات وأزمات ليس لها حلول سوى العودة إلى الطرق الأكثر حزما وعدالة في التعامل مع التعليم وملفاته..
يجب أن نعلم ونحن نتحدث عن مشاكل التعليم بأن أكثر من عامل يؤثر في تحقيق نتائج مرضية على صعيد حلول لهذه المشاكل، وقد تم طرح مبادرات كثيرة وعلى كل المستويات للخروج بحلول مؤقتة أو طويلة المدى لبعض هذه المشاكل، وهناك مبادرات ملكية بهذا الشأن وكانت آخرها استراتيجية تنمية وتطوير الموارد البشرية، التي انطلقت منتصف العام الماضي، بل وتم تحديد برنامج لتنفيذها، ولعل الحل الجذري لمشاكل التعليم العام والعالي تكمن في هذه الاستراتيجية العلمية العملية، وقد كان اقتراح جلالة الملكة رانيا العبدالله في كلمتها إبان إطلاق الاستراتيجية، هو التصور الأمثل للخروج من الأزمات وكل المشاكل التي تواجه الموارد والقوى البشرية التي تتم صناعتها في المدارس والجامعات، لكنه كما نعلم هو حل يحتاج موازنة مهولة وجهدا موصولا لا تراجع فيه، يمتد لفترة زمنية لا تقل عن 10 سنوات ولا تزيد عن 12، حيث تعتمد هذه الاستراتيجية بالدرجة الأولى على تأهيل المعلم والمدارس والمناهج، ليتم تحديد نمط التعليم المطلوب، وهو نمط عالمي بلا شك، فالعلم عالمي ولا يقتصر على أمة أو شعب، بل هو حصيلة الخبرة والجهد الانساني الذي تراكم منذ انطلقت الحضارة الانسانية على هذا الكوكب، ومثلا: الرياضيات ثابتة والفيزياء والعلوم الطبيعية واللغات والجغرافيا والتاريخ..وكل العلوم الجديدة تنبثق عن هذه المنظومة من العلوم التي عرفتها البشرية ودشنت هذه الحضارة الانسانية على اساسها، لكن الذي نفتقده ولا نملكه حقا هو أسلوب التعليم، وقد قيل تشبيها لأسلوب تعليمنا في مقارنة مع العالم المتحضر بأنهما اسلوبان يسيران في اتجاهين متعاكسين تماما، فالأول يعتمد التلقين والاختبار الذي لا يحدد القدرات ولا المهارات ولا يعتني بهما أو ينميهما، والثاني يتعامل بعكس هذا، فالقدرات والمهارات هي أساسه، وبعد تحديدهما تتم تنميتهما لدى طالب العلم، ليرسو في ذهنه وثقافته وبالتالي في مهنته ودوره في المجتمع بسلاسة تبعث على الطمأنينه واطلاق التفكير في الإبداع والانتاج.
وزير التربية يقول بأن أحدهم كتب اقتراحا فالتقطه واقتنع به ونفذه ! تبرير ينم عن أكثر من مشكلة:
الأولى تتعلق بعدم وجود تصور لدى الوزير حول الوزارة والتعليم وما جرى أو توصلنا اليه في الأردن على طريق حلول لمشاكل التعليم، بل هو مستعد للتجارب والاقتراحات الجديدة من أية جهة! ومثل هذا التبرير يؤكد الزعم بأن الاقتراح هو اقتراح الوزير، والباقي تخريجات مألوفة، لكنها مأسوف عليها حين تخرج من وزير ورث حملا ثقيلا لا ننكر، لكنه يبدي عدم قدرته من مجاراته "من أولها".
والثانية فيها تجن على الوزارة نفسها، وكأننا اليوم شكلنا وزارة للتربية، التي أصبح عمرها يقترب من 100 عام وهو عمر الدولة الأردنية، وهي بيت الخبرة الأردني الذي لجأ إليه كل العرب في أكثر من فترة ومرة، ليكتسبوا من خبرة كفاءات هذه الوزارة، المسؤولة الفعلية عن التنوير والتعليم والتربية في الوجدان والتاريخ الأردني، وهم اليوم سبقونا !.. أستغرب جدا أن يلجأ الوزير إلى اقتراح معروف حول العالم كما يقال، ولعل هذا يذكرني بمبادرة السلام العربية التي قدمتها الدول العربية لإسرائيل ذات قمة، وقيل إن العاهل السعودي الراحل التقطها من مقالة لكاتب أجنبي، على الأقل اسم الكاتب معروف ! مع احترامي لمن كتب اقتراح الرسوب والنجاح والغاء الاحصاء والحساب في تقييم أداء الطلبة.
أما عن الاقتراح نفسه، فهو يبدو ترفا بالنسبة لمشاكل التعليم في الأردن، تلك التي تتنازع ملفاتها عدة جهات سياسية واقتصادية واجتماعية ..الخ.
هل يدرك الوزير المحترم بأن تنفيذ هذا الاقتراح سيعرض التعليم لمشاكل جديدة؟ ولا أتحدث هنا عن حالة نفسية نمت لدى الناس ولا علاقة للدولة ولا للوزارة ولا للمنطق بها، وهي الرعب من التوجيهي، هذا الرعب مسؤول عنه الطالب وأهله وليست الوزارة وقوانينها، ومحاولة حلها لا تكون بالافتئات على حقائق ومشاكل أكبر من التوجيهي ومن الرسوب والنجاح، وحتى أوضح للوزير ولكل الذين يتحدثون دفاعا عن قراره دون علم أو إلمام بالمشكلة، حتى أولئك الذين يحسبون أنفسهم على الرأي العام ومهنتهم هي توجيهه، أنا أشعر بالغضب فوق الخجل، حين أقرأ آراء لزملاء، لا يتحدثون بمنطق ولا بمعلومة، وأصبحت مهنتهم تضليل الرأي العام بدل تنويره وتوضيح الطريق لصاحب القرار، ولن أتحدث بالطبع عن الناس العاديين، فأغلبهم ثوريون ولا يثقون بالحكومات ولا يريدون لأبنائهم أن يتعبوا في شيء، بل يريدون لهم أن يحصلوا على كل شيء في الوقت نفسه..
ولنتحدث عن "كل شيء" يسعون للحصول عليه بلا تعب، فهو مشكلتنا الفعلية في التعليم:
افرضوا أن جميع طلاب التوجيهي "الذين تزيد أعدادهم عن 150 الف سنويا"، حصلوا على معدلات فوق 90% أو فوق 1260 علامة من المجموع البالغ 1400 كما افترض الوزير، طيب شو يعني؟ هل سيذهبون إلى الجامعات؟ كم هي الطاقة الاستيعابية في الجامعات كل عام؟
هي تتراوح بين 30 إلى 40 الف مقعد جامعي كل بداية عام دراسي وفي أحسن أحوالها تصل إلى 50 الف مقعد في جامعاتنا الحكومية، ولا يتم قبول الطلاب في تلك الجامعات الا وفق قائمة القبول الموحد العادلة المعروفة، ولا نتحدث هنا الكوتات و"جسيم" وقصص الديون التي تسببت في تردي دور وأداء الجامعات، ولا عن قصص التمييز "العنصري" المزعوم والبغيض، التي تنفتح شهية الحديث عنها مع انطلاق كل فصل دراسي جامعي، لكنه حديث سيضاف إليه حديث جديد وهو:
"الله أكبر ابني ناجح ومعدله كذا ولم يحصل على مقعد جامعي..بلد فساد وواسطات ..الخ الاسطوانة"..تلك التي اكتسبت سببا جديدا وجيها لمزيد من إثارة، وماذا ستفعل الوزارة والدولة لهؤلاء عندئذ؟! ..جربوا أيضا لتعرفوا.
هذا من جهة الرسوب والنجاح، لكن ماذا نقول عن الاختصاص والميول؟
اولا كلنا نعرف الميول في الذهنية الاردنية "طب وصيدلة وهندسة" حتى لو كان الطالب يحمل شهادة الثانوية في الفرع الأدبي، فهذه هي قصته مع الاختصاص والمستقبل، لكن ماذا عن اعتماد مبحث ما ليحدد حصول الطالب على مقعد جامعي؟.. يبدو أننا نتحدث عن سويسرا هنا، ونعتقد بأننا مجتمع يفهم بالقانون ويحترمه، وقبل هذا نفترض أن حكوماتنا ومسؤولينا ملتزمون بالقانون وبالعدالة "خليها في تبنها يا معالي الوزير".
لن تجد آلية عادلة لتوزيع المقاعد الجامعية على الطلبة الأردنيين غير قائمة القبول الموحد المعروفة، ولا يمكن اعتماد المبحث الذي حتى وإن اعتمدناه فلن يحل شيئا من المشكلة، فالجامعات ليست بمختلفة في برامجها التدريسية عن المدارس، ولا تحديد او تمييز واضحا للاختصاص، علاوة على أن خريجينا يتراكمون في صفوف البطالة وانتظار فرصة العمل، أما عن مستوياتهم الأكاديمية والعلمية، فالشواهد كثيرة على تدنيها وعدم أهليتها للإنتاج..لهذا فإن القصة تعود بنا إلى الإستراتيجية الوطنية لتنمية وتطوير الموارد البشرية المذكورة، ولا يمكن أن نتحدث عن توجيهي ونترك بقية السلسلة والحقائق حولها..
هذا القرار سيكلفنا المزيد من الأزمات والتحديات وفقدان البوصلة، وسيكون على حساب المخرجات لكن بطريقة صادمة، فكل هؤلاء الطلاب سيذهبون إلى جامعات خاصة او خارج البلاد، وبعد مضي سنوات 4 او أقل، سيتضاعف عدد الخريجين غير المؤهلين، وستدخل البلاد في حالة من عدم الثقة بين المواطنين والدولة، فلا يوجد فرص عمل لهؤلاء الناس في سوق متواضعة كالسوق الأردنية، ولا انجاز ننتظره منهم حتى وإن حازوا على فرص عمل، فأغلبهم "اشتروا" شهاداتهم شراء، ولا يمكن التعويل على تحصيلهم الأكاديمي والعلمي لأنه أصبح مجرد سلعة في القطاع الخاص.
الاقتراح الذي قدمته جلالة الملكة هو الحل:
تدشين بالتدريج للبنية التحتية، وهي تأهيل المدارس والمعلمين والمناهج، في العام الأول يتم تأهيل معلمين ومناهج "المواد العلمية" للصف الأول الأساسي، ثم التحضير للصف الثاني ثم الثالث ..وهكذا حتى يصل الطالب بعد 10 إلى 12 سنة إلى التوجيهي، وتكون الجامعات قد فعلت الشيء نفسه لتستقيم العملية، وتكتمل بنيتها التحتية، وهذا ما يجب أن يشغل بال المسؤول عن التعليم في الدولة الأردنية، وليس العودة إلى الاقتراحات والتجريب، والتنظير المتخلف ..
أوقفوا المغامرات فإنها هي سبب تخلف نظام التعليم الذي سيغرقنا تماما إن لم نبادر لحل مشاكله منذ أمس قبل اليوم.
ibqaisi@gmail.com

