الشيخ والذبابة ..
الأربعاء-2016-11-22 05:24 pm
جفرا نيوز -
جفرا نيوز - فارس الحباشنة
قبة البرلمان تحولت الى خشبة مسرح تزدحم بشخصيات نيابية تلعب ادوارا في مسرحية واحدة ، كل منهم يؤدي مونولوج حماسي وعاطفي جياش منقطع النظير بالصراخ والتكبير ، وهمه الاكبر أن يغطي على النائب الذي سبقه في امتطاء منصة الخطابة بكل ما يحاول من ازاحة .
كل خطبة تشبه الاخرى مضاده في المحتوى ، لغة مجانية تعلب على العواطف والمشاعر السطحية ، وتتشابه في رغبة لا تخفيها عيون السادة النواب بسرقة الاضواء ، الجمهور طبعا في لحظة اختلال بالتوزان وتوهان نفسي ومشاعري ، يذهب باتجاه الاكثر بلاغة والاعلى نبرة والاكثر قدرة على تصفيط للكلام ، والابرع على استخدام عبارات تفعل فعل التنويم المغناطيسي والمسكنات .
المشايخ باختلاف اشكالهم وانواعهم وجدوا اخيرا من البرلمان ساحة كبرى ليمارسوا غوياتهم بالخطابة والانشاد ، فقبل ايام أقدم نائب اخواني على رفع اذان الظهر تحت القبة . شيوخ قادمون من المساجد و مراكز الوعظ والارشاد الديني ، محترفون في انتاج الفتاوي وتوظيف نظريات التكفير والتحريم .
" شرع الله " هو خطاب جديد ، يحمله مشايخ يريدون تحويل افكاره الى "شريعة" ، هي افكار عابرة و لكنها تمتلك سلطة قاهرة على عقول أهل السلطة وجمهور المواطنيين ، ويمنع التفكير بها أو مراجعتها ، فهي علوية مقدسة ، لانها قادمة من عالم الحق . هي افكار حملها مشايخ لسنين طويلة داخل المساجد ، قبل أن تمتطي اقدامهم قبة البرلمان .
طبعا ، هولاء الشيوخ يريدون امتطاء صهوة السلطة ، وهم لا يملكون في جعبة افكارهم غير تلك الدعاوي والبشائر ، بكل رجعيتها ، غير أنها تمتلك من سلطة طاغية على المجتمع ، ليبدو لكثيرين من الناس انها احلام بالخلاص و النجاة .
الامور كما تجري تحت قبة البرلمان ، يبدو انها تسير كما مخطط لها ، فالمشايخ استعادوا جزءا محاصرا من سلطتهم الدينية والاجتماعية التي حوصرت في المجال العام ، فبين ايديهم الان فرصة لا تعوض بان ينلقوا للجمهور البائس بانهم قادرون على حملهم الى الجنة أن اتبعوا خطاهم واكثروا من الانصات والتصفيق لخطبهم الرنانة .
الشيخ اصبح سياسيا ، الخطب التي كانوا يطرحونها على منابر المساجد انتقلت الى قبة البرلمان ، و بقليل من اطلالة الوقار الديني الوعظي المهذب ، صارت كاريزما كالمغنطيس تجذب من حولها جمهور واقع تحت تأثيرات فعل التنويم المغناطيسي واسلحته المنيعة بتوظيف الغييبيات و التحريم و التكفير .ورأينا كيف أن الشيخ محمد نوح القضاة ختم خطبته العصماء داعيا لله عز وجل للحكومة ورئيسها هاني الملقي .
"الفراغ و الغفلة" هي من تسمح للخدعة بان تكبر ، ولأن يشعر الجمهور بان الانقاذ لا يعبر الا من خطب اولئك المشايخ . فملاعب السياسة في البلاد يبدو أنها محظورة على الجميع باستنثاء المشايخ . فلا تبصر العين في تحميص المجال العام فريقا منافسا أو مناكفا لخطابهم الترويضي