«التقتير» المالي على المركز الوطني لحقوق الانسان يقيد نطاق عمله
الخميس-2016-10-27 02:22 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز- كتب:عمر المحارمة
أسهم المركز الوطني لحقوق الإنسان منذ إنشائه عام 2003 في تحسين حالة حقوق الإنسان في الأردن ورفع مستوى الوعي فيه، بشكل اثر بصورة ملحوظة على عقلية الدولة الأردنية بشكل عام حيال التعاطي مع القضايا الحقوقية وهو ما انعكس على صورة الأردن ومكانته بين دول العالم.
وقد جاء إنشاء المركز كاستجابة طوعية لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في آذار عام 1993 الذي استند الى ما يعرف بمبادئ باريس التي تضمنت دعوة الدول الى توفير الهياكل الأساسية المناسبة لهذه المراكز بما يضمن سلاسة سير أنشطتها، وبصفة خاصة الأموال الكافية لذلك، وينبغي أن يكون الغرض من هذه الأموال هو تمكينها من تدبير موظفيها وأماكن عملها لتكون مستقلة عن الحكومة وغير خاضعة لمراقبة مالية قد تمس استقلالها.
وقد كانت استجابة الأردن لهذا القرار الأممي محط تقدير واحترام كافة الدول، حيث كان الأردن من أوائل الدول العربية التي أنفذت القرار وأنشأت مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان، حيث باشرت الأخيرة تأدية المهام المتعلقة بعملها بصورة مرضية ومقبولة حتى الآن.
وقد شكلت التقارير الدورية الصادرة عن المركز واحدة من أهم الأوراق التي استندت إليها أجهزة الدولة لتقييم موقفها من معايير ومبادئ حقوق الإنسان، وبالمقابل أنتهج المركز سياسة وسطية خصوصا خلال السنوات الخمس الأخيرة، تبتعد به عن الصدام مع الدولة وتسعى إلى تأسيس شراكة تساعد الدولة على تحقيق الالتزام المقبول وأحيانا الأمثل بمبادئ حقوق الإنسان، وقد كان من نتاج هذا التعاون إصدار الخطة الوطنية لحقوق الإنسان بعد الالتفاتة الهامة من جلالة الملك لهذا الملف عام 2013.
المطّلع على الاحوال الداخلية للمركز يدرك أن الحكومات تتعاطى مع المركز من باب «شر لا بد منه» فالتقتير ومحاولات تقصير آيادي المركز هو السمة الخفية للتعاطي مع المركز ولعل نظرة سريعة الى مخصصات المركز في موازنة الدولة تثبت هذا الانطباع.
فمخصصات المركز السنوية لتغطية رواتب العاملين فيه وتغطية الانشطة التي يقوم بها والدراسات التي يقدمها اضافة الى تسديد المصروفات الادارية والراسمالية والنفقات الجارية بشكل عام قد لا تتجاوز رواتب ثلاثة من رؤساء الهيئات المستقلة والتنموية.
فقد خصص للمركز منذ العام 2011 وحتى العام 2015 موازنة تقل او تزيد قليلا عن نصف مليون دينار، فعلى سبيل المثال كانت مخصصات المركز في موازنة الدولة عام 2011 حوالي 461 الف دينار ارتفعت عام 2012 إلى 488 ألفا ثم عادت للتراجع عام 2013 إلى 479 ألفا ثم زيدت عام 2014 إلى 544 ألفا قبل ان ترفع عام 2015 إلى نحو 640 ألف دينار.
هذه الأرقام المتواضعة من المخصصات الحكومية للمركز لا تساعد بأي شكل على قيام المركز بدوره على الوجه المرضي وتمنعه في كثير من الأحيان من أداء ادوار أو تنفيذ نشاطات تتطلب طبيعة مهامه القيام بها وتنفيذها، علما أن المركز لا يقبل المنح والتمويل الخارجي.
وقد لا يكون من المبالغة الإشارة إلى أن مخصصات المركز وموازنته قد لا تصل إلى قيمة مشروع واحد تنفذه إحدى مؤسسات المجتمع المدني بتمويل أجنبي، أو لا تصل إلى قيمة مخصصات ثلاثة أو أربعة من مدراء ورؤساء الهيئات المستقلة التي تصل مخصصات بعضهم السنوية إلى نحو ربع مليون دينار.
المؤسف أن أكثر من 60% من موازنة المركز تذهب أجورا ورواتب وملحقاتها، علما أن المركز يعاني من نقص كبير في أعداد الكوادر العاملة فيه كما يعاني العاملون فيه من تدني الرواتب والأجور قياسا إلى مستوى الكفاءات القانونية والحقوقية التي يحتاجها المركز.
مسألة التمكين المالي واحدة من أهم القواعد التي اعتمدتها الأمم المتحدة في المبادئ التأسيسية للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان، والتقتير على المركز من الواضح أن هناك من يريد أن يكون مجرد ديكور يجمّل المشهد العام أمام الدول الغربية .
المهام المناطة بالمركز كبيرة ، فهو معني بحماية حقوق الإنسان ونشر ثقافتها ومراقبة أوضاعها وتقديم المشورة والمساعدة القانونية لمحتاجيها، واتخاذ الإجراءات الإدارية والقانونية اللازمة لمعالجة الشكاوى المتعلقة بالانتهاكات والتجاوزات على حقوق الإنسان للحد منها ووقفها وإزالة آثارها.
كما يقوم المركز بإعداد الدراسات والأبحاث وتوفير المعلومات وعقد الندوات والدورات التدريبية وإدارة الحملات وإعلان المواقف وإصدار البيانات والمطبوعات وإعداد التقارير اللازم، لهذا فهو بحاجة لدعم حقيقي من الدولة وعلى الحكومة باعتبارها السلطة التنفيذية أن تقدم الدعم المطلوب والكافي للمركز وعلى مجلس النواب ان يتنبه لهذه القضية عند مناقشة الموازنة العامة للدولة نهاية هذا العام.
إن الرؤية السياسية الكامنة وراء تأسيس المركز هي التي تحدد طبيعة دوره، وحيث أن انشاء المركز جاء في سياق إرادة سياسية إصلاحية قادها جلالة الملك عبدالله الثاني للنهوض بأوضاع حقوق الإنسان، فان على الحكومة الانسجام مع هذه الارادة والتوقف عن لعب دور «المعطل الخفي» من خلال التقتير الذي تمارسه على المركز.