هل نحتاج «الإخوان المسلمين»...ولماذا؟
الإثنين-2016-06-06 12:49 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز -كتب: عمر محارمة
عندما افتتح الملك المؤسس عبدالله الأول المقر الأول لجماعة الاخوان المسلمين نهاية أربعينيات القرن الماضي، كانت العقلية السياسية الأردنية تعي أهمية وجود تنوع سياسي على الساحة المحلية وضرورة تعدد المدارس الفكرية والسياسية كواحدة من أدوات الدولة الناعمة التي تستطيع إستغلالها وأستخدامها لتحقيق الصالح العام.
وجماعة الإخوان المسلمين التي يعد المرحوم عبداللطيف أبو قورة مؤسسها في الأردن منذ العام 1945 كانت بالفعل واحدة من أهم الأدوات التي إرتكزت اليها الدولة في كثير من المفاصل، ليس على المستوى السياسي فقط وإنما على الصعيد الاجتماعي والثقافي والتوعوي والتعبوي، وكانت الجماعة وعبر تاريخ وجودها على الساحة المحلية عند «حسن الظن» في كثير من الوقائع والمواقع.
المقر الرئيسي التاريخي للجماعة وسط العاصمة عمان تم اغلاقه مؤخرا رغم دلالات الموقع في التراث السياسي والاجتماعي للدولة الاردنية وهي دلالات فوق حدود التنظيم والجماعة وتحت مظلة الدولة وارثها التاريخي خصوصا أن إفتتاح المقر تم تحت رعاية الملك المؤسس، وباشراف مباشر على تنظيم علاقة التنظيم بالدولة آنذاك من قبل الملك طلال حين كان أميرا ووليا للعهد.
إغلاق ذلك المقر ليس الا واحدة من دلالات كثيرة على الأزمة التي تعيشها جماعة الاخوان المسلمين لأسباب عدة منها ما هو ذاتي ومنها ما هو موضوعي ومنها ماهو مرتبط بأجندات المنطقة ووضع التنظيم في بعض الدول العربية وعلاقته بالانظمة الحاكمة هناك.
الأسباب الذاتية التي قادت التنظيم الى النفق الضيق الذي يمر فيه متعلقة باتساع الهوة بين جناحي التنظيم المعروفين بجناح الصقور وجناح الحمائم، وهي هوة بدأت بالإتساع منذ تفجر أزمة «مكاتب الخارج» و مطالبة بعض رموز التنظيم بفصل الارتباط بين فرع التنظيم في الاردن عن فرع فلسطين، وهي أزمة كان فصل الفروع عنوانها الأساسي لكنها في حقيقتها كانت أزمة هوية وأولويات بين تيار أراد بقاء الفرع الأردني بأولويات عابرة للحدود القطرية وآخر أراده تنظيما وطنيا أردنيا يرتب أولوياته وفق هذه الهوية .
فاقم من المسافة الفاصلة بين التيارين تسلم «صقور الصقور» لقيادة التنظيم خلال السنوات القليلة الماضية، ورفضهم ليس فقط الحوار مع الآخر داخل التظيم وانما رفض سماعه حتى وتعمد إقصاء وتهميش كل من يخالفها الرأي والرؤية، وهو تعنت قابله عناد وإصرار من بعض رموز «الحمائم» الذين إنقلبوا لصقور جارحة في الاروقة الداخلية للتنظيم لم تردعهم عن خلخلة أركان التنظيم وبنيته تحت شعار «الحفاظ على التنظيم ومنع إختطافه!».
وبغض النظر عن حقيقة دور الدولة ووأجهزتها في إذكاء حالة الخصام وتحويلها الى الى حالة فصال بين أجنحة التنظيم فإنه لابد من الإشارة الى أن اي تاثير خارجي لم يكن تتوفر له عناصر النجاح لولا الاسباب الذاتية الداخلية التي كان لسان حالها «أنا ومن بعدي الطوفان».
علاقة الإخوان المسلمين بالدولة والنظام شهدت محطات كثيرة من التجاذب عبر السنوات السبعين الماضية لكنها إتسمت في غالب أوقاتها بالايجابية رغم الخلافات السياسية التي كانت عميقة في بعض الاحيان، لكن السلبية تغلف هذه العلاقة في الآونة الحالية وأيضا لاسباب ذاتية تتعلق بالجماعة وأسباب موضوعية تتعلق بوضع التنظيم على المستوى المحلي والاقليمي.
الاسباب الذاتية التي دفعت الدولة لإدارة ظهرها للجماعة مرتبطة بشكل مباشر بمواقف الجماعة وتصريحات قياداتها إبان فترة الربيع العربي، حين تجاوز البعض خطوط العلاقة المرسومة ضمنا وذهبوا في طلباتهم ومطالبهم الى مستوى إعتبرته الدولة تجاوزا للخطوط الحمر، وما شجع الدولة على «إدارة ظهرها» أن خطاب الحركة في تلك الفترة لم يكن مشفوعا بقدرتها على الحشد الشعبي خلف مطالبها فحراك الشارع الاردني في الربيع العربي كان خجولا الى حد ما وكان الاخوان المسلمين إحد أضعف حلقاته.
القراءة المستقبلية لمستقبل التنظيم في الأردن لا تدعو الى التفاؤل بقدرة التنظيم على تجاوز أزمته وإعادة لملمة صفوفه خصوصا بعد إعلان ما سمي بتيار «الحكماء» عزمه تأسيس حزب سياسي جديد، وهو إن تم سيكون التيار الثالث الخارج من رحم التنظيم بعد تاسيس جمعية الاخوان وحزب «زمزم»، ما يعني مزيدا من التفتت والتشرذم لقيادات التنظيم وقواعده .
الإنقسامات «الإنشطارية» التي تشهدها الجماعة لم تدفع حتى اللحظة قيادات الجماعة الأم الى إعادة حساباتها لمصلحة بقاء التنظيم وإستمراره، ما يدفع الى التوقع بأن الإجراءات الرسمية قد لا تتوقف عند اغلاق المقرات، و تجميد الأملاك وتفتح الباب مشرعا لتوقع صدور إعلان حظر جماعة الإخوان وعدم شرعيتها خصوصا أن المسوغات القانونية لذلك متوفرة مع إصرار قيادات الجماعة على عدم تسوية وضعها القانوني.
هذه القيادة لا زالت تركن الى ان الجماعة ليست في الواقع مجرد جمعية تحتاج لترخيص أو حتى حزب، وانها حالة في عمق النسيج الاجتماعي وفكرة متجولة في عقول ووجدان الناس ولا توجد آلية يمكنها ان تنكر ذلك، وهو أمر واقع الى حد ما لكنهم يتناسون أن هذا الواقع ليس مرتبطا بشخوصهم ولا بمواقعهم القيادية وان الجمعية المرخصة والحزب الذي قد ينبثق عنها سيكون باستطاعته أخذ زمام الأمور رويدا رويدا خصوصا إذا ما تم تسليمها مقار وأملاك ومؤسسات الجماعة.
الحالة الداخلية للجماعة قد لا تكون هي محرك إهتمام الدولة أو حتى المجتمع بظروف التنظيم ومستقبله، فالسؤال الأهم الذي قد يتبادر للإذهان بصيغ مختلفة هو ما يطرحه عنوان هذا التقرير «هل نحتاج الإخوان المسلمين، ولماذا؟»، وهو سؤال قد تكون الإجابة عليه أوسع وأكبر من أي تقرير صحفي وتحتاج الى دراسة بحثية معمقة، لكن بديهيات العمل السياسي وتعدديته المنشودة تجيب بصورة مقتضبة بأن الحركة الإسلامية لازالت الحركة السياسية الوحيدة التي تمتلك الأطر التنظيمية والقدرات الفعلية على إثبات وجودها في الشارع الأردني رغم كل ما يعتري مسيرتها حاليا من تشرذم وانقسام.
الإنتخابات النيابية المقبلة ستكون مختلفة الى حد كبير عن كل الإنتخابات التي جرت بعد العام 2000 والتي قاطعها الإسلاميون جميعها باستثناء المشاركة المحدودة في إنتخابات 2007، التي أقر الرسميون في أكثر من مناسبة أنها شهدت تلاعبا كبيرا.
أوجه اختلاف الانتخابات المقبلة مرتبطة بقانون الإنتخاب الجديد الذي إعتمد نظاما جديدا يجرب لأول مرة في الاردن وهو نظام القائمة النسبية الذي وسع الدوائر الانتخابية ايضا وجعلها على مستوى المحافظة، وهو قانون في كثير من تفاصيله إستجاب الى مطالب القوى السياسية ومنها الحركة الاسلامية مما قد يشجعها على خوض الانتخابات المقبلة.
المشاركة في الانتخابات قد تكون مفتاح لم شمل الجماعة، حتى وإن خاض بعض المنشقين عنها الانتخابات المقبلة في صف آخر، وبصرف النظر عن عدد المقاعد التي قد تفوز بها الجماعة الا ان وجودها سيثري العمل النيابي والسياسي وسيجعله ملونا بعد أن ساد اللون الوحيد على آخر ثلاثة مجالس نيابية.
مشاركة الحركة الإسلامية ستزيد من حيوية العملية السياسية وعدالتها وان كانت لن تكون مؤثرة إلى درجة التغيير في الحياة السياسية، وهذا ليس مسؤولية الحركة وحدها، وانما يحتاج إلى بيئة تنافس حزبي لم يتوفر بعد لكنها مشاركة ضرورية لاعادة التوازن للعمل السياسي لعله ينهض من جديد بعد أن سيطرت فئة رجال الاعمال على المشهد السياسي والنيابي.
جماعة الاخوان بإنجازاتها وتاريخها وأرثها وأثرها في المجتمع أصبحت ملكا للشعب والأمة وملكا للأجيال القادمة، وليست ملكا لأعضائها وأفرادها فقط، لأنّ الجماعة تكرس نفسها في كل خطاباتها لخدمة الوطن وأنّها تهدف إلى التعاون مع كل المخلصين في سبيل رفعة هذا الوطن والإسهام في تقدمه ونهضته، وهو ما يستدعي اعادة تقويم المشهد بعلمية وموضوعية، والكف عن شيطنة الاختلاف وعدم الاستمرار في «عناد» القيادة الحالية حيال تصويب الوضع القانوني ,وإيجاد اطار مقبول ومعقول للعودة الى الصف الواحد كخطوة أساسية لتمتين الجبهة الاردنية الداخلية في مواجهة التحديات الرئيسية الخارجية والداخلية. الدستور