النسخة الكاملة

لماذا يعتبر الناتج المحلي الإجمالي مقياسا ضعيفا للتقدم؟

الأحد-2016-05-15 09:41 am
جفرا نيوز - عمان- هل يمكن لحاكم إقطاعي أن يبدل منصبه بمنصب موظف تأمين من عصرنا الحالي؟ خاصة وأنه يملك الكثير من القصور وجيوشا من الخدم. لكنه رغم ذلك كله لا شك يسقط ضحية للمنغصات، حيث تصله الأخبار ببطء، ويصبح حتى طعامه بلا قيمة له، بينما يمل من حاشيته في نهاية المطاف. لذلك، فربما يبدل طوعاً دولته بأحد مكاتب عصرنا الحالي بما يتمتع من تبريد و"جوجل" و"يوتيوب". يؤكد هذا اللغز المحير التقدم الكبير المحرز في القرون الأخيرة. ويظهر أيضاً كم هو من الصعب مقارنة معايير المعيشة على مر الزمان وعبر المجتمعات. وتجري المقارنات على مدى العقود الأخيرة بشكل روتيني، وباستخدام الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنها مزعجة جداً. لماذا يعد الناتج المحلي الإجمالي مقياساً ضعيفاً للتقدم؟ في البداية، يعتبر الناتج المحلي الإجمالي مقياس لكل من الناتج والدخل وحجم الإنفاق في وقت واحد. وفي الفترة ما بعد الحرب في أوروبا وأميركا، كان نمو معايير المعيشة يرادف الناتج المحلي الإجمالي. وأصبح الناتج المحلي الإجمالي هدفاً للسياسيين، وبطاقة لقياس الأداء يستخدمها ناخبوهم في الحكم عليهم. وحتى مع ذلك، كثيراً ما كان الناتج المحلي الإجمالي محل إنتقاد. ولطالما عبر مناصرو حماية البيئة عن أسفهم لتعامل الناتج المحلي الإجمالي مع موارد كوكبنا على أنها أمور تضيف إلى الدخل، بدلاً من التعامل معها على أنها نفقات. وتكرر اتهام الناتج المحلي الإجمالي بكونه قد انفض عن مفاهيم الرفاهية الروحية. واستهدف روبرت كينيدي في إحدى المرات الناتج المحلي الإجمالي بشكل معلن، حيث قال إنه يحتسب إعلانات علب السجائر والسجون، بينما لم يضم "جمالية فن الشِعر لدينا أو قوة ومتانة زواجاتنا". ومع ذلك، كان الناتج المحلي دليلاً جيداً، إن لم يكن قاسياً، على تقدمنا المادي. فكلما زاد توليد الإنتاج والدخل (بعد التعديل بما يناسب التضخم)، كلما أصبحنا أفضل حالاً. وكانت هذه المعادلة تعمل جيداً عندما كان الاقتصاد يعتمد في معظمه على المزارع والمصانع، وإنتاج أشياء من نوعية مماثلة تقريباً مما يسهل اعتمادها. ولكن الناتج المحلي الإجمالي الآن أقل ملاءمة لقياس الاقتصادات الحديثة التي تقودها الخدمات، والتي تسعى لتحقيق تجربة مستهلك ذات نوعية أفضل، بدلاً من استهلاكه كميات أكبر من المنتجات. ويصعب كثيراً الآن أيضاً تحديد المدى الذي يمكن أن تعكسه التقلبات في الأسعار على الخدمة الأفضل. عندما ترتفع رسوم الرعاية الصحية، سوف يتم احتسابها كتضخم بشكل عام، وحتى لو كانت نوعية الرعاية الصحية تتحسن وتتطور أسرع من ارتفاع تكاليفها. ولا يتم احتساب المجالات التي لا يدفع فيها المرء شيئاً، مثل الخدمات الرقمية، في الناتج المحلي الإجمالي بواقع الحال. لذلك يستثني الناتج المحلي الإجمالي الفوائد التي يجنيها المرء من استخدامه محرك البحث "جوجل" أو موقع التواصل الإجتماعي "فيسبوك". وكذلك فقد أصحبت خدمات مثل الخرائط والموسوعات والتسجيلات الموسيقية، التي كان المرء يدفع لقاء استخادمها في السابق، مجانيةً في الوقت الراهن ما جعلها تسقط من حسابات الناتج المحلي الإجمالي هي أيضاً. لقد أمسى التسوق على الإنترنت، إلى جانب الخدمات المصرفية الرقمية وترتيب السفر عبر الإنترنت، أكثر ملاءمة لحياة العملاء الآن، ما أثر على الناتج المحلي الإجمالي بدوره. والقصة في معظمها هي أن خدعة قياس نواتج الخدمات تفضي إلى التقليل أو الإنقاص من قيمة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بينما يعمل سوء القياس بشكل مغاير تماماً. وعلى سبيل المثال، إذا ما احتوت طائرة عدداً أكبر من الركاب (ستنخفض قيمة تذاكرها)، ما سوف يتم احتسابه كناتج إضافي، حتى وإن تراجعت نوعية الخدمات. وبشكل معاكس، كلما زادت المخاطر التي يتخذها البنك، ساهمت أكثر في الناتج المحلي الإجمالي، حتى وإن تراجعت نوعية الإقراض. إن الناتج المحلي الإجمالي مخلوق يعود إلى العصر الصناعي الذي اشتهر بالسلع الضخمة والمتجانسة. وهو دليلٌ أقل فائدة بالنسبة للاقتصادات حيث نوعية الخدمات تقيم بقيمة تعلو مجرد امتلاك المزيد من الأشياء. ليس ينسجم جيداً صراحةً مع الاقتصادات الرقمية، التي أصبحت فيها النشاطات التي كانت يوماً ما تؤتي أكلها من الدفعات، مثل الاتصال بالأصدقاء أو إيجاد معلومات، تتوفر بالمجان. ولهذا يفشل الناتج المحلي الإجمالي بشكل متزايد في التقاط مكاسب معايير المعيشة المتوسطة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير