جردة حساب جريئة لحكومة النواب تظهر “امكانية” الاصلاح
الإثنين-2015-11-30 12:41 am

جفرا نيوز - جفرا نيوز -
يقيس تقرير الانجاز الاول لكتلة "مبادرة” النيابية في الاردن مدى فعالية "اشتباكها الايجابي” الاول مع الحكومة المحلية في بلادها، ليظهر منه العديد من المناطق التي لم تستجب فيها الحكومة بالصورة المطلوبة لمسار الشراكة، وهو ما قد يشكل احد الاسباب الأكثر اهمية خلف حديث عاهل الاردن في خطاب العرش عن اهمية "الشراكة بين الحكومة ومجلس النواب".
حديث عاهل الاردن الملك عبد الله الثاني قبل اسبوعين في الخطاب، جاء مركّزا على اهمية وجود تفاعل بين الجانبين الامر الذي يتمثل حتى اللحظة بما تقوم به "مبادرة” من وضع خطط مشتركة مع الحكومة ومراقبة تنفيذها.
وتشكلت مبادرة بالتحديد كحكومة موازية لتلك القابعة في الدوار الرابع، إلا ان الاولى خرجت من رحم البرلمان، ووليدة التقارب الفكري فيما يختص بالدور النيابي وليس على اساس كتلوي او حزبي، ما سهّل مهمة التشارك بينها وبين الحكومة التي هي الاخرى لم تقم على اسس حزبية او كتلوية.
بناء على الاتفاق على عدم وجود حزب او كتلة للجانبين، جاء الاختراق الذي حققه النظام البرلماني في نواظم العمل السياسي للعلاقة ما بين المجلس التشريعي والحكومة أكثر جدّة وتأثيرا، رغم ما طاله من اتهامات بتحالف مجاني مع السلطة التنفيذية مقابل وعود "تخديرية” تمنحها الاخيرة له.
عمل الجانبين كان في مناخ مختلف عن المناخات التي سبقته- حتى اللحظة- فمنذ بدأت كتلة مبادرة عملها والحكومة يرأسها الدكتور عبد الله النسور ما يجعل ادامة العمل حتى اللحظة أكثر امكانية، كما ظلّ مجلس النواب ذاته، وهو ما اتاح الفرصة مجددا لقياس اداء المبادرة من جانب، وتسليط الضوء على تفاعلات الحكومية سلبا وايجابا من جهة ثانية.
التقرير على سبيل المثال، استطاع ان يحصر مواطن "التقاعس الحكومي” في إيقاف الهدر في مؤسسات الدولة، الامر الذي ظهر من خلال عدم تبنيها لعدد من الاقتراحات التي طرحها الجسم البرلماني الموازي، رغم تسوية لم تكن مرضية لمبادرة قام بها فريق الدكتور النسور فيما يتعلق بتقليل نفقات الاسطول الحكومي واستخدام سيارات الهايبرد.
أمر آخر تخلي مبادرة مسؤوليتها منه يتمثل في عدم تجاوب الحكومةُ بالشكلِ الكافي مع مطلب إطفاء الإنارة في الشوارع داخل المدن وخارجها، وعدم ملاحقة "بشكلٍ جدّي وممنهج” ومحاربة سرقة الكهرباء والاعتداء على أراضي الدولة، رغم كونها تسير بخطى إيجابية بمحاربةِ الاستعمال غير المشروع للمياه.
الحديث عن "إحراز نقاط ايجابية” في الموضوعات الرئيسية دوما ينقصه ايضا التقدّم في موضوع محاربة المُتهرّبين من دفع الضريبة، وتحسين أداءِ موظف ضريبة الدخل، من أجلِ الابتعاد عن المُمارسات المالية الخاطئة، وتحسين التقديرات المتوافقة مع الواقع؛ الامر الذي اعترفت مبادرة بتقريرها بعدم تقدمها فيه.
وسلط التقرير الضوء على ان وجود تفاوت كبير في الإنجاز فيما يخص الشراكة بين "المبادرة” وأجهزة السلطة التنفيذية، الامر الذي اعادته "حكومة الموازاة” إلى ضعف في العديد من مؤسسات الدولة بشكل عام، إلى جانب كون المواقع الإدارية في العقود الماضية كانت تُمنح للأفرادِ "كأُعطيات أو مُحاصصات”، ما جعل المؤسساتُ غير قادرةٍ على التكيّف والتأقلم والترحيب بالتغيير.
الضعف العام في مؤسسات الدولة رأى فيه التقرير السبب الاساسي في افشال العديد من الخطط والاستراتيجيات والأجندات سابقا، إلى جانب كون المجالس التشريعية السابقة لم تقمْ بأداءِ واجبها في مجالِ المساهمة في صياغة رؤى مشتركة أو مراقبة أداء السلطة التنفيذية وحُسن تنفيذ السياسات.
وبررت حكومة الموازاة في مبادرة كون ما قامت به لا يدخل ضمن أي نوع من "الترف الفكري”، بعمق الازمة التي تمر بها البلاد من عجزٌ متفاقم في موازنة الدولة وميزاني التجارة والمدفوعات، ومديونيةٌ عالية، وأزمةٌ في مجال الطاقة، وتراجعٌ غير مقبول في نوعية التعليم بمراحله المختلفة، وخدماتٌ عامة تفتقر للسويّةِ الواجب توفرها، وبخاصةٍ في الصحة والتعليم والنقل العام، وتراجعٌ في احترام هيبة الدولة وبسط سيادة القانون، إضافةً إلى الظروفِ الإقليمية المتدهورة بانعكاساتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية السلبية على المملكة.
وتحدثت مبادرة بجرأة عن كونها ترى "ضرورة وطنية” في استمرار اللجان الفنية الناتجة عن الشراكة في تأدية عملها بسبب الضعف المؤسسات، ما تأمل عبره بأن تستطيع الوصول لتقديم "خدمات عامة ترضي مطالب المواطنين دون تمييز او محاباة او زبائنية”، ما قد يؤشر على خللين من النوع الثقيل في الدولة، أولهما عدم قدرة المؤسسات على السير في مسارات الاصلاح وحدها وحاجتها للجان تساهم في تصويب اوضاعها، كما ان النقطة الاخرى تؤشر بوضوح على خلل "عدم المساواة” بين المواطنين والتعامل معهم كزبائن بدلا من دافعي ضرائب.
الخلل الثالث والعميق والذي تحدث عنه التقرير بالتلميح هو "قوى مناهضة الاصلاح في البلاد” الامر الذي المحت مبادرة الى كون السياق الايجابي الذي اتخذته اسهم "سلميا” بعزلها.
على صعيد ما تم انجازه، ذكرت مبادرة اثر شراكتها مع الحكومة في إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام بما يتفق مع الرؤية الاستراتيجية للمبادرة النيابية، فقد تم رفع مخصصات التعليم العالي لتستطيعَ الجامعات من مواجهة بعض المشكلات المالية من 57 مليون دينار إلى 72 مليون دينار، وتم رفع مخصصات وزارة النقل من 85 مليون دينار إلى 98 مليون دينار، وفي بندِ تنمية المحافظات (المشاريع الصغيرة والمتوسطة والبنى التحتية) تمّ رفع المخصصات من 24 مليون دينار إلى 70 مليون دينار، في موازنة عام 2016 المنظورة في البرلمان.
تحصيل الحقوق المدنية لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردنيين عدّه التقرير ايضا واحدا من انجازات مبادرة المرتبطة بالتنمية السياسية تحت عنوان "الوطنية الديمقراطية”، مشيرا الى سقوط المخاوف التي أثيرت حول الملف، ما أسهم في اضمحلال التأثير السياسي للذين "كانوا يرشقون الاتهامات ويثيرون المخاوف”؛ في المقابل لم تخفِ مبادرة اصطدامها بعقبة عدم التزام دوائر الدولة المختلفة بتطبيق قرار مجلس الوزراء الامر الذي تم على اثره تخصيص مكتب في الوزارة يرأسه حاكم، ما جعل الامر يمضي بسلاسة اكبر.
من ضمن انجازات الشراكة ايضا كان اتمام مشروع العبدلي الذي كان متعثرا، إلى جانب إنهاء ملف "سكن كريم لعيش كريم” الذي عدته مبادرة مثالا على غيابِ التنسيق الأفقي بين مؤسسات الدولة، والذي يُبطّئ الإنجاز ويبدّد الموارد، وفقا للتقرير.
وبيّن التقرير تسوية قامت بها الحكومة كالتفاف على "سحب سيارات الصالون من كبار موظفي الدولة”، بأن استعاضت عن ذلك بإقرار التوجه لخفض استهلاك المحروقات، واستبدالِ سيارات الوزراء وكبار موظفي الديوان الملكي بسيارات كهربائية.
"رغم ذلك، ومع أن "المبادرة” رحّبت بالمقترحات الحكومية من حيث المبدأ؛ لأنها ستحققُ نسبةً عاليةً مما تطمح إليه، لكنها ستستمر بالمطالبةِ بالتخفيف من هدرِ أموال دافعي الضرائب في هذا القطاع والقطاعات الأخرى، ضمن منظور إصلاحي جذري لهذا القطاع، وتعد الرأي العام بعدمِ التراجع عن خط السير هذا”، وفق التقرير.
جردة الحساب التي قامت بها مبادرة تحدثت ايضا عن اولوية قطاع السياحة لديها، ما جعلها تقترح إلغاءُ الضريبة الخاصة على تذاكر السفر لجميع السياح القادمين عبر الطيران العارض والمنخفض التكاليف، والقادمين إلى العقبة، الامر الذي وثّق في سياقه التقرير التفاف رئيس الحكومة ووزير المالية على المقترح بعد ان وافقا عليه فصدر القرار الأول ناقصاً لنوع واحد من الطيران ولم يتم تعديله الا بعد 6 أشهر.
كما انجزت مبادرة ضمن ما وثقته بتقريرها بالتعاون مع الحكومة بند توحيد التعليمات بخصوص الجنسيات المقيدة، إذ قامت تعديل تعليمات منح تأشيرات الدخول للرعايا الهنود القادمين إلى المملكة بقصد السياحة، والسماح باستقدام الأفواج السياحية المصرية القبطية (الحج المسيحي)، والسماحُ لرعايا الدول المقيدة المقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي بالدخول إلى أراضي المملكة دون الحصول على الموافقة المسبقة لمنحهم تأشيرات الدخول اللازمة، شريطة أن يكونَ دخولهم عن طريق مكاتب سياحية أردنية معتمدة لضمانِ مغادرتهم.
وقد اشترطت المبادرةُ النيابية في مجال السياحة أن لا يكونَ هناك أيّ إنفاقٍ مالي دون تقديم خطة قائمة على دراسات علمية والمردود قابل للقياس. وفعلاً تمّ وضع خطة عمل بمسارين: الأول خطة تسويقية طارئة للتذكير بأنّ الأردن بلدُ الأمن والأمان؛ لأنَّ انفجار الإقليم من حولنا، ربما أفادَ الأردن سياسياً، لكن قطاع السياحة تأثرَ سلباً إلى درجة كبيرة. والمسار الثاني هو وضعِ خطة بعيدة المدى.
وفي سياق التنمية السياسية، طالبت "المبادرة” بإلغاء كافة الموافقات الأمنية في تعيين موظفي القطاع العام والجهاز التعليمي، وإلغائِها إذا كانت موجودة في القطاع الخاص، وتم إبلاغ "المبادرة” أنّ ذلك قد حصلَ فعلياً باستثناء علاقة طالب التعيين بالإرهاب إذا ثبت ذلك.
الانجازات المذكورة والخطط المطروحة، تعني بالجانب العملي امرين بصورة اساسية اولهما ان الكتلة اليوم وضعت أمامَ الرأي العام نتائج سياق الشراكة مع الحكومة ما يعني بالضرورة إخضاع تجربتها للرقابةِ والمساءلة والمحاكاة.
الامر الثاني، اثبتت مبادرة، على صعوبة ما انتزعته من انجازات وتعقّد ما لم تنتزعه بعد، ان نهج الاصلاح من الداخل "قد يحصل” إلا انه بطبيعة الحال صعب المنال خصوصا في دولة لم تعتد هذا النهج من التشاركية داخل أي من سلطاتها فكيف باثنتين معا.
من معرفة "رأي اليوم” بما قام به فريق مبادرة من جهد جبار، تستطيع الموافقة اليوم مع ما تحدث به مهندسها الدكتور مصطفى حمارنة عن كون الاصلاح من الداخل ممكن بوجود "منبّه ومراقب” يحثّ ويصرّ على كل جهة للقيام بواجبها، ما يعني ببساطة ان عجلة الاصلاح في البلاد لا تزال بحاجة الكثير من توالي التجارب حتى تسير وحدها وبصورة ميكانيكية.
السؤال اليوم وفي ضوء "محدودية الوقت” التي تواجهها تجربة "مبادرة” اذ من المتوقع للمجلس الحالي ان تنتهي مدته بانهائه نقاش قانون الانتخاب في منتصف عام 2016 المقبل، هل ستلد مؤسسة البرلمان القادمة جسما نيابيا يكمل ما بدأت فيه مبادرة؟، وهل ستلتزم الحكومة كذراع تنفيذي بالخطط التي لم تطبق بعد، خصوصا في ضوء التقاعس الذي رصدته مبادرة نفسها؟، وهل من الممكن تكوين حالة تضم ما قامت به مبادرة تكون جامعة لأناس قادرين على الحديث عن تساوي الفرص والمواطنة وحقوق الاردنيين كدافعي ضرائب؟.
رأي اليوم

