الفراعنة: ثورة السكاكين على طريق النهوض الوطني الفلسطيني
محاضرة للنائب السابق الكاتب حمادة فراعنة
السبت-2015-10-31 04:09 pm

جفرا نيوز -
جفرا نيوز -
عقدت "مجموعة الحوار الوطني" ندوة حول النهوض الفلسطيني الراهن في مركز الحسين الثقافي بامانة عمان والذي تحدث فيها الخبير في الشؤون الفلسطينية حمادة فراعنة.
وتالياً تفاصيل المحاضرة :
تعرض الشعب العربي الفلسطيني ، على مدى نحو قرن ، الى محن كثيرة ، ومر بتجارب مريرة ، الا انه في غضون سنوات مأساته المديدة ، تمكن من ابداع مظاهر كفاحية جديدة ، عمقت من خبراته ، وأغنت تجربته ، وعززت من حضوره ، على الرغم من تواضع إمكاناته ، وضآلة الهوامش المتاحة امامه ، أمام قوة المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، وتفوقه الكاسح ، نظراً لما كان يمتلكه المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي من روافع ذاتية وموضوعية ، شكلت على الدوام مصادر مهمة لاندفاعه بزخم شديد ، وهي :
أولاً : قدراته الذاتية ، السياسية منها والأقتصادية ، ناهيك عن خبراته العسكرية والتكنولوجية والأستخبارية المكتسبة ، الامر الذي مكنه من امتلاك موقع القوة ، واتاح له الامساك بزمام المبادرة ، في تعامله مع الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية .
ثانياً : دعم وإسناد الطوائف اليهودية المتنفذة في العالم لصالحه ، وهو ما عرف لاحقا باسم جماعات الضغط (اللوبيات) الصهيونية ، لا سيما في الولايات المتحدة الاميركية .
ثالثاً : الدعم المالي والسياسي والحماية الأمنية والعسكرية ، والغطاء الدبلوماسي الذي وفرته بريطانيا سابقا ، قبل ان توفره الولايات المتحدة فيما بعد .
إضافة إلى ما سبق ذكره ، كانت أوروبا الاستعمارية قد وفرت كل الاسس اللازمة لقيام المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي على أرض الفلسطينيين ، وخاصة إبان الانتداب البريطاني ، حيث منحت بريطانيا وعد بلفور المشؤوم ، وسهلت للحركة الصهيونية العمل على قيام الوطن القومي لليهود في فلسطين ، كما اسهم السلاح الفرنسي ، ثم أموال التعويضات الألمانية ، دورا حاسما في استمرار تفوق " إسرائيل " على كل جيرانها العرب .
ومع ذلك ، فقد ظل الشعب العربي الفلسطيني يمتلك مصادر قوة ذاتية ، تجعله في حالة ندية نسبية ، في اطار عملية المواجهة الجارية بين المشروعين والروايتين ، اي بين المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني ، والمشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي .
مصادر قوة الشعب الفلسطيني تعتمد على العوامل التالية :
أولاً : العامل الديمغرافي ، وهو أهم عوامل الصراع وسبب ديمومته المتواصلة ، فقد فشل المشروع الإسرائيلي في طرد كل الشعب الفلسطيني عن وطنه ، رغم محاولاته الهادفة لجعل الأرض الفلسطينية طاردة لشعبها ، حيث ان هناك اليوم أكثر من ستة ملايين عربي فلسطيني على كامل أرض فلسطين. ففي مناطق الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة بقي حوالي 150 ألف نسمة عام 1948 ، بات عددهم الآن يقارب مليون ونصف المليون نسمة ، يشكلون حوالي خُمس السكان في مناطق الإحتلال الأولى عام 1948 ، وهناك مليونان وسبعمائة الف نسمة في الضفة الفلسطينية بما فيها القدس ، ومليون وثمانمائة الف في قطاع غزة ، مقابل ستة ملايين ونصف مليون يهودي إسرائيلي ، مما يدلل على تقارب العدد الكلي بين طرفي الصراع .
ثانياً : استمرار مشاعر المظلومية ، واشتداد مظاهر العداء من طرف كافة الشرائح الفلسطينية ، سواء في مناطق 48 أو مناطق 67 ، للمشروع الإستعماري الإسرائيلي ، اقله بسبب عنصرية الاحتلال ، وإجراءاته الأحلالية الأقصائية ، ومصادرة الأرض وجعل حياة الفلسطينيين قاسية ، وغير محتملة ، عناوينها اللجوء والفقر والأضطهاد الوطني والقومي ، وفقدان الحق في تقرير المصير .
ثالثاً : شيوع مظاهر التعددية والتنوع بين الفلسطينيين ، الفكرية منها والسياسية ، وهي مظهرا من مظاهر القوة إذا تم توظيفها بطريقة صحيحة ، لأنها تحمي الفعل الفلسطيني والأدراة والسياسة من الوقوع في براثن التسلط والأحادية ، التي عانت من أثارها البلدان العربية ، فوجود فتح وحماس والجهاد والشعبية والديمقراطية والشيوعيين والقوميين ، عوامل صحية ، وروافع قوة للمجتمع الفلسطيني ، تجعل سياساته أكثر صواباً وواقعية ، إعتماداً على اختلافات جهات النظر المتعددة .
رابعاً : انتزاع السلاح السياسي من مؤسسات الشرعية الدولية ، بقرارات الأمم المتحدة بدءاً من قرار التقسيم 181 ، وقرار حق عودة اللاجئين 194 ، وقرار الأنسحاب وعدم الضم 242 ، وقرار حل الدولتين 1397 ، وقرار خريطة الطريق 1515 ، وهي جميعها منصفة لصالح الشعب الفلسطيني ، ترفضها تل أبيب لأنها تشكل سلاحاً بيد الفلسطينيين ضد التوسعية الإسرائيلية ، وخيارها الإستعماري على أرض الشعب المعذب والفقير .
وإعتماداً على هذه العوامل الأربعة ، فجر الشعب الفلسطيني إنتفاضاته الشعبية المدنية الأولى عام 1987 ، ومدها على كامل الأراضي المحتلة عام 1967 ، حيث حملت حصيلتها إسحق رابين ، عبر مفاوضات أوسلو غير العلنية عام 1993 ، على التسليم والأعتراف بالعناوين الثلاثة : بالشعب الفلسطيني ، بمنظمة التحرير ، وبالحقوق السياسية المشروعة ، وعلى أرضية هذا الأعتراف جرى الأنسحاب التدريجي الإسرائيلي من الأرض المحتلة من غزة وأريحا أولاً ، وتواصل من باقي المدن ، وكان يُفترض أن تنتهي المرحلة الأنتقالية بالإنسحاب من مدينة الخليل في شهر أيار 1996 ، لتبدأ بعدها مفاوضات المرحلة النهائية .
غبر ان إغتيال رابين في شهر تشرين ثاني عام 1995 / وفشل شريكه شمعون بيرس في إنتخابات أيار 1996 ، وصعود اليمين الإسرائيلي المتطرف برئاسة نتنياهو ، حال دون الإستمرار في تنفيذ ما تم الأتفاق عليه ، وفشل إتفاق أوسلو في تطبيق خطواته التدريجية ، وعلى الرغم من الأنتقادات المختلفة التي يمكن أن تسجل على إتفاق أوسلو ، فقد حقق الأتفاق ، إنعكاساً لموازين القوى المختلة ، ما لم يحققه الشعب الفلسطيني من إنجازات من قبل ، وأهمها نقل الملف الفلسطيني وعنوانه ومضمونه وأدواته من المنفى إلى الوطن ، وبات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي محتدماً ومتشابكاً على الأرض الفلسطينية ، وبأدوات فلسطينية في مواجهة عدو الشعب الفلسطيني مباشرة ، هذا الشعب الذي لا عدو له سوى المشروع الإستعماري التوسعي الإسرائيلي ، المحتل لأرض الفلسطينيين وحقوقهم ، والمنتهك لكرامتهم .
قبل نهابة عام 2000 ، وعلى أثر فشل مفاوضات كامب ديفيد ، في شهر تموز ، بين ياسر عرفات ويهود براك ، برعاية الرئيس الأميركي الديمقراطي بيل كلينتون ، إنفجرت الأنتفاضة الثانية المسلحة الأستشهادية ، التي قادها التحالف الميداني بين حركتي فتح وحماس ، وهو ما دفع شارون نحو التسليم بالرحيل الإسرائيلي عن قطاع غزة من طرف واحد ، بعد فكفكة قواعد جيش الإحتلال وإزالة المستوطنات. وهكذا سجل الفلسطينيون إنتصارهم الميداني والفعلي والواقعي على الأرض ، بفعل نضالهم وبسالتهم وصواب خيارهم في تحديد الأولويات نحو مواجهة الإحتلال ، موحدين بجبهة مقاومة واحدة ، رغم قدراتهم المتواضعة أمام تفوق الإحتلال ، الذي إغتال قائد حماس الشيخ أحمد ياسين والعديد من القيادات الحمساوية ، وكذلك محاصرة الرئيس ياسر عرفات وإغتياله وفقدانه ، ليس فقط كرئيس مؤسس لحركة فتح بل وزعيم تاريخي غير مسبوق للشعب العربي الفلسطيني ، إضافة إلى إغتيال أبو علي مصطفى قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وإعتقال أحمد سعدات أمينها العام إلى الأن .
دللت تجربتا الإنتفاضة الأولى عام 1987 ، والثانية عام 2000 ، والإنجازات التي تحققت بفضلهما على الأرض ، على أن طريق إستعادة حقوق الشعب العربي الفلسطيني مفتوحة أمام الفعل الفلسطيني الموحد في مواجهة العدو المتفوق .
غير انه في مقابل تجربتي الأنتفاضة الأولى والأنتفاضة الثانية الناجحتين بتفاوت ، خاض الشعب الفلسطيني أربع تجارب تفاوضية كبرى فاشلة ، كون اي منها لم تكن مسنودة بالفعل الكفاحي على الأرض في مواجهة الإحتلال .
فكانت المفاوضات الأولى في كامب ديفيد 2000 ، بين ياسر عرفات ويهود براك برعاية الرئيس كلينتون ، والثانية في انابوليس عام 2007 بين محمود عباس ويهود أولمرت برعاية الرئيس الجمهوري بوش ، والثالثة بين محمود عباس ونتنياهو خلال ولاية الرئيس الأميركي أوباما بين عامي 2009 و 2013 ، وبإشراف السيناتور جورج ميتشيل ، الذي فشل ورحل إلى غير رجعة ، والثالثة أيضاً بين محمود عباس ونتنياهو خلال ولاية أوباما الثانية منذ عام 2013 وحتى اليوم ، وبإشراف وزير الخارجية جون كيري.
في غضون ذلك جرت تجربة مفاوضات خامسة في عمان ، في شهر كانون ثاني 2012 ، وعقدت خمس جولات من التفاوض بين 3/1/2012 و 26/1/2012 ، بدون أن تسجل نجاحاً حتى في الأتفاق على أولويات التفاوض أو على جدول أعمال ، مما يدلل على أن قوة المنطق ومنطق العدل وحدهما غير كافيان لتحقيق إنجازات ، دون أن تكون مصحوبة بفعل كفاحي يجعل من مشروع الإحتلال الإسرائيلي مشروعاً مكلفاً ، ترغمه على التسليم بالتنازل عن سياسته الإستعمارية التوسعية والتسليم بحقوق الشعب الفلسطيني .
لقد حقق الشعب الفلسطيني على المستوى الدولي مجموعة من المكاسب السياسية الهامة ، في طليعتها قبول فلسطين عضواً مراقبا لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29/11/2012 ولدى اليونسكو ولدى محكمة الجنايات الدولية ، وعضوا كامل العضوية العاملة في الأتحاد البرلماني الدولي ، وحتى رئاسة الفدرالية العالمية للنقابات الهندسية بإنتخاب مروان عبد الحميد رئيس إتحاد المهندسين الفلسطينيين رئيساً لها ، ولكن هذا كله لم ينعكس على حياة الفلسطينيين ولم يخفف من معاناتهم وفتح فرص الأمل لتحقيق إستقلالهم وإستعادة حقوقهم .
الأنفجار وثورة السكاكين :
منذ تولي نتنياهو رئاسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وهو يعمل على سياسة التوسع والأسرلة والتهويد لفلسطين ، وخاصة في القدس والغور ، وتوسيع الأستيطان في قلب الضفة الفلسطينية وتمزيق جغرافيتها بشكل تدريجي ، وعمل على المستوى السياسي والحل التفاوضي على تكييف خطواته بما ينسجم مع برنامجه الإستعماري التوسعي ، تحت عنوان إدارة الأزمة ، وليس العمل على حلها ، وهكذا راح نتنياهو يدعو الرئيس الفلسطيني للجلوس على طاولة المفاوضات بدون شروط مسبقة ، وهو عملياً يفرض شروطه المسبقة ميدانياً على الأرض عبر التوسع الإستيطاني في الضفة ، وتهويد القدس ، وفصلها عن باقي الأراضي المحتلة ، وأسرلة الغور وعدم السماح بأي تطوير فلسطيني على مساحته ، مع بقاء الفصل الجغرافي الكامل لقطاع غزة وإستمرار حصاره وخنقه ، إضافة إلى محاولة نقل تجربة تمزيق المسجد الأبراهيمي في الخليل إلى الحرم القدسي الشريف ، وفرض التقسيم الزماني على المسجد الأقصى ، مما دفع لحالة الأنفجار الشبابية الجارية منذ بداية شهر تشرين أول ، عبر هبة السكاكين أو إنتفاضة السكاكين وهي حالة كفاحية غير مسبوقة ، وخاصة بعد حرق محمد أبو خضير في شعفاط في القدس ، وحرق عائلة الدوابشة في قرية دوما في نابلس .
ثورة السكاكين فرضت حالة من القلق والهستيريا الإسرائيلية ، بعد إظهار حجم الغضب الشبابي الفلسطيني ، والشجاعة غير العادية باستخدامهم الأدوات المدنية البدائية البسيطة ، مما يعكس حالة النهوض الوطني لدى عامة الفلسطينيين والأستعداد العالي لدى الشباب للتضحية ، هؤلاء الذين واصلوا العمل المتدرج بلا إنقطاع والأستشهاد الميداني وبظروف إستثنائية غير مواتية ، سوى الرغبة في إيذاء العدو وخاصة جنوده وأفراد مؤسساته الأمنية ، وقد سجلت هذه الهبة ، هذه المقدمة لأنتفاضة محتملة ، أو بداية لثورة مفتوحة ، وقد سجلت مجموعة من المظاهر الملموسة يمكن تلخيصها كما يلي :
أولاً : إنها هبة شبابية بالفعل والروح والمشاركة من الطرفين الشباب والشابات .
ثانياً : أنها غير حزبية الأنتماء وخاصة من طرفي الأنقسام الفلسطيني فتح وحماس ، فكلتا الحركتين لم تشاركا في فعالياتها لا في الضفة ولا في القطاع ، فحركة فتح ملتزمة بالتنسيق الأمني بين رام الله وتل أبيب ، وحركة حماس ملتزمة بإتفاق التهدئة بين غزة وتل أبيب الموقع تحت عنوان " تفاهمات القاهرة " في رعاية الرئيس السابق محمد مرسي يوم 21/11/2012 ، وتم تجديدها في عهد الرئيس السيسي يوم 26/8/2014 ، بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة ، وكلتا الحركتين فتح وحماس تتهم الأخرى بالتحريض ، فحركة حماس تتهم حركة فتح بتحريض الشباب للوصول إلى حدود 48 في قطاع غزة بهدف إحراج إدارة حركة حماس وتقويض سلطتها المنفردة في قطاع غزة ، وحركة فتح تتهم حركة حماس أنها تعمل على تحريض الشباب في الضفة الفلسطينية لإحراج حركة فتح وإضعاف سلطتها في الضفة ، وبذلك بات التحريض ضد الإحتلال معابة من قبل الفصيلين ، بدلاً أن يكون مباهاة كفاحية لكليهما .
ثالثاً : تحول الفعل الفلسطيني في مناطق الإحتلال الأولى عام 1948 فعلاً مشاركاً ضد الإحتلال والعنصرية وقوانين التمييز ، بعد أن كان فعلاً تضامنياً طوال السنوات الماضية .
رابعاً : لم يرتق الموقف السياسي والحس بالمسؤولية لدى طرفي الأنقسام الفلسطيني ، ولم يتجاوبا بعد مع نداءات الشارع والقوى السياسية الأخرى لإنهاء الأنقسام وبناء الجبهة الوطنية الموحدة ضد العدو الواحد المتفوق ، وعليه لا يستطيع المراقب المدقق في قراءة المستقبل المنظور بمدى إستمرارية هذه الهبة الأنتفاضية ، أو توقفها أمام قوة العدو وإجراءاته القمعية وعقوباته الجماعية ، نظراً لعدم توفر الحاضنة الفلسطينية والعربية والدولية لهذا الفعل الكفاحي الفلسطيني الشجاع ، فالإستمرارية من أجل تحقيق الأنتصار للمشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني يتطلب ثلاثة شروط غير متوفرة للأن وهي :
أولاً : برنامج سياسي مشترك من قبل كافة فعاليات وقوى وشرائح الشعب الفلسطيني .
ثانياً : مؤسسة تمثيلية وقيادية واحدة تضم الجميع الفسلطيني بما فيها حماس والجهاد في إطار منظمة التحرير ومؤسساتها الميدانية المختلفة .
ثالثاً : إختيار الأدوات الكفاحية المناسبة للفعل الفلسطيني الموحد على قاعدة البرنامج السياسي المشترك وبإدارة المؤسسة التمثيلية الموحدة .
*محاضرة أُلقيت في مركز الحسين الثقافي – بدعوة من قبل لجنة الحوار الوطني الأردنية برئاسة الوزير السابق محمد داودية .
28/10/2015

