العالم يفتح عينه على آلاف اللاجئين الى أوروبا ويغمضها عن مئات الآلاف في الأردن
الإثنين-2015-09-07 12:05 am

جفرا نيوز - كتب: عمر محارمة
يكشف المجتمع الدولي عن شكل جديد من أشكال النفاق السياسي والدبلوماسي والإنساني بالضجة المتعمدة حول تدفق اللاجئين السوريين نحو الأراضي الأوروبية.
فالأعداد التي وصلت أوروبا شاسعة المساحات، غنية الإمكانات وعظيمة الموارد، لم تصل حتى اللحظة إلى ثلث الأعداد التي استقبلها الأردن، صغير الحجم، شحيح الموارد، ضعيف الإمكانات.
وأوروبا التي تصرخ اليوم لترتيب استقبال عشرات آلاف اللاجئين فوق أراضيها وتوزيعهم على أقطارها الكثيرة، تجد صدى صرختها في كل أصقاع الأرض ويصبح اللاجئون الذين عبروا البحار نحوها شغل العالم الشاغل وقضيته التي تتصدر نشرات الأخبار وتقارير الفضائيات فيما كان صوت الأردن قد بُح وهو ينادي المجتمع الدولي للتصدي إلى واجباته الإنسانية تجاه مئات آلاف اللاجئين الذي عبروا إليه دون أن يجد من يستجيب له إلا بالنذر اليسير من المساعدة.
الاحصاءات الرسمية الصادرة عن إدارة شؤون المخيمات في وزارة الداخلية تظهر أن عدد السوريين الموجودين في الأردن قبل الأزمة وبعدها يبلغ قرابة مليون و700 ألف شخص.
وتشمل هذه الأعداد المسجلين في مخيمات الزعتري ومريجيب الفهود والأزرق حيث تنطبق صفة اللاجئ على كل من يحمل بطاقة المفوضية السامية التابعة للأمم المتحدة والتي تتولى حمايته والمحافظة على حقوقه لحين عودته الطوعية الى بلاده التي خرج منها طالبا اللجوء بسبب الحرب والمعاملة غير الإنسانية التي يواجهها في بلاده.
وتكلف أزمة اللاجئين السوريين الاقتصاد الأردني المنهك أصلا نحو ثلاثة مليارات دولار سنويا لا تغطي المساعدات الدولية المخصصة لهذا الشأن سوى ربعها فيما تشهد مختلف القطاعات التنموية والخدمية أزمة عاصفة بفعل وجود اللاجئين.
ضغط على المستشفيات والمراكز الصحية، اكتظاظ بالمدارس، فوضى في سوق العمل، اختلالات ثقافية واجتماعية، ضغط على الموارد كالماء والكهرباء وغيرها الكثير من الآثار والتبعات التي يتحملها الأردن دون أن يكون لكل ذلك أثر واضح في استجابة المجتمع الدولي.
أزمة الهجرة الى أوروبا تكشف عن خلل جوهري، ونفاق شديد في التعاطي مع الأزمات الدولية، فالتنظير الأخلاقي كبير طالما أن الأزمة بعيدة عن حدود الدول الغنية لكن الانقلاب على المثل والأخلاق يصبح سريعا وكبيرا مع تتابع تدفق اللاجئين وتصبح مأساة السوريين أنهم جاؤوا إلى أوروبا، وليس أنهم يعيشون منذ خمس سنين حربا طاحنة تحت عين العالم وناظريه.
وقد يكون المجتمع الدولي اليوم أكثر استعدادا لاتخاذ خطوات تقطع وتيرة السلبية التي غلفت تعامله مع الأزمة السورية، دفاعا عن أوروبا ومنعا لتسرب المزيد من اللاجئين إليها، وليس حبا في سوريا والسوريين الذين كانت سلبية المجتمع الدولي عاملاً أساسياً من العوامل التي أوصلتهم إلى ما هم فيه.
الإنسان السوري بين نارين، والنزوح هو المخرج الاضطراري رغم تبعاته الكارثية لذلك يعيش اليوم نصف الشعب السوري خارج مساكنه وقراه ومدنه إما لاجئا في الخارج وإما نازحا الى مناطق أخرى من بلده.
ومأساة السوريين لم تبدأ حينما وصلوا إلى شواطئ أوروبا بل عندما اضطر الملايين منهم لترك منازلهم ليجدوا أنفسهم مع أسرهم في خيم لا تمنع برداً و لا تقي من حر، ولا تتوفر فيها سوى أدنى متطلبات العيش الإنساني.
ولعل هذه الخيام على ما فيها من بؤس تبدو نعيما للعالقين في مناطق الاقتتال المتطلعين شوقا إلى بقعة أرض ينامون فوقها دون خوف ولا هلع.
الصراع في سورية ما زال مفتوحاً على مختلف الاحتمالات، وأعداد اللاجئين في تصاعد مستمر رغم سائر القيود والصعوبات التي تواجه من يُرغم على اتخاذ القرار بترك داره ولن يكون هناك حل نهائي من دون إحلال السلام، الأمر الذي يبدو بعيد المنال.
والسؤال الذي يطرح نفسه هذه اللحظة: هل المجتمع الدولي جاهز لمساعدة اللاجئين السوريين، وتخفيف الضغط عن دول الجوار، لأن سلبية المجتمع الدولي، ووحشية الحرب في سوريا ستدفعان بالمزيد من المهاجرين واللاجئين نحو أصقاع الأرض المختلفة.
ما تواجهه دول أوروبا لن يتوقف عندها وقريبا ستجد دول مثل أستراليا وكندا والولايات المتحدة نفسها أمام تحد إنساني في استيعاب حصتها من اللاجئين وهو ما يؤكد ما ذهب اليه الأردن منذ اندلاع الأزمة السورية عندما حذر مرارا بأن العولمة لم تشمل الرأسمال وحده، وأن ما يجري في سورية لن يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة وحدها، بل يهدد الأمن العالمي بأسره.
التشنج غير المسبوق في المجتمعات الغربية تجاه الإسلام والمسلمين، هو وجه آخر للنفاق الدولي الذي يفتح الباب واسعا للحركات اليمينية المتطرفة والعنصرية وهو ما يفسر الدعوات الى إغلاق الأبواب بوجه اللاجئين ويفسر ما حققته الأحزاب السياسية المناهضة للهجرة من نجاحات في بلدان مثل فرنسا والمملكة المتحدة.
وبغض النظر عن الظروف التي تجابه اللاجئين في طريقهم نحو أوروبا أو عند وصولهم إليها فإن ملايين اليائسين الذين يعيشون في مناطق الحروب والدول الفاشلة لن يجدوا خيارا غير السعي إلى طلب اللجوء في البلدان الغنية، مهما كانت المخاطر.
ومن المؤكد أن وصول ركاب القوارب اليائسين إلى شواطئ أوروبا نتيجة طبيعية لفشل البلدان الغنية والمجتمع الدولي في توفير متطلبات العيش الكريم الآمن لأولئك اللاجئين في بلدان الجوار التي لجأوا اليها.
الدستور

