النسخة الكاملة

ذكريات معلم – 5 سلاح الجيش المصري يباع في الشوبك

الخميس-2015-03-19 02:01 am
جفرا نيوز - جفرا نيوز - محمد داودية - دعانا "الدكنجي" عوض الى عشاء بمناسبة ذبح "فدو" عن ابنه، كنا نلتقي في الخميس الأخير من كل شهر بالتناوب في احدى القرى التي نعمل فيها، مشينا قرابة كيلومتر داخل غابة الدباغات "الهيشي"، عدنان خليل خطاب وامين الصغيّر ومحمد موسى النعانعة وانا، كان الغروب فاتنا في خريف الدباغات يوم 28 /9 الخميس الأخير من شهر أيلول1967. قدّم "المعزّب" طبقا كبيرا "صدرا" كان فوقه خروف مقطع الى اربع قطع، يتربّع على عدة طبقات من خبز شراك القمح المُغرّق باللبن وبالسمن البلدي، بلا أرز. وما ان جلس اربعتنا حول الطبق حتى اطفأ عوض السراج المعلق على واسط الخيمة وغاب، رافضا دعواتنا له بمشاركتنا الطعام. كان المقصود بإطفاء السراج هو ان نأكل بأقصى قدر من حريتنا وكي لا يخجل احد منّا، لايزال طعم تلك الوجبة الفريدة في فمي، واقسم على ذلك. وسَّعتُ فقاعتي وحدودي، وصلت الى مدرسة الشوبك الزراعية وهناك وجدت الأستاذ النبيل عبد الحميد خلف الجفوت المعلم في المدرسة، اصبح يزورني في الدباغات ونواصل منها الى وادي موسى فالبتراء، توفرت سيارة فولكسفاجن هي سيارة عبد الحميد الذي كان يصطحبني معه الى الطفيلة على بعد نحو 45 كيلومترا عن المدرسة التي تعرفت فيها الى طلاب ابرزهم الطالب المهتم بالكتاب والكتابة، ثابت حسن الملكاوي، الذي اصبح دكتورا وصحافيا وباحثا ومؤلفا، وقد زرته في الثمانينيات وبت وزوجتي عنده ليلة في قريته المسماة "المظلومة" بالقرب من ملكا، كما كان يزورني ويبيت عندي في المفرق وعمان. وقد قدمت التعازي برحيله في 22 تشرين الأول عام 2014 في ملكا التي لي فيها اخوة كثيرون منهم صديقي عبد الله الرومي العبدالله الملكاوي أبو نضال صاحب الجملة الترحيبية الشهيرة "كل الهلا" التي أصبحت مثلا.معلوم انه كان على معلم تلك الأيام ان يلاحظ كل ما له صلة بطلابه، عليه ان يكون معلما وطبيبا وأمّا وابا وأخا وصاحب مبادرة، تعينت جارتي في المفرق نجوى النجدي معلمة منفردة في احدى القرى فلاحظَت ان طالباتها لا يتوقفن عن الحك ولما تفقدت شعورهن وجدت فيها قملا، فتوقفت على مدى أسبوع عن التدريس واستدعت الأمهات الى المدرسة واشترت صابونا وكازا من كيسها وحمّمت هي والامهات الطالبات، معلنة انها لن تقبل اعتبارا من الشهر المقبل اية طالبة شعرها ليس نظيفا وتمكنت مع الوقت من تحقيق شعار النظافة من الايمان الذي كان درسا نظريا مقررا في الكتب المدرسية. كان المعلمون جزءا اصيلا من المكان ومن المجتمعات، يعيشون في القرى التي اهلها يعتبرونهم مراجع ثقاة في الكثير من قضايا مجتمعاتهم السياسية والثقافية والحياتية، واحيانا كانوا يصاهرون ويتزوجون من تلك القرى كما حصل، على سبيل المثال، مع صديقي الحميم -الى اليوم- المعلم عبد الكريم عقاب الخالدي، الذي درّست معه في الدجنية عامي 1972 و1973 وصاهر أهلها خزاعلة بني حسن كرام الناس. خَفَّت حدة العزلة والوحشة الى حد كبير، فقد تعوّدت على نمط العيش في بيئة الثلج وتعودت على المكان الذي اصبح أقل عزلة وأصبحت امارس رياضة المشي التي بقيت امارسها بعنف الى ما قبل سنتين، كنت امشي مسافات طويلة في زيارة معلمي القرى المجاورة – نجل وبير خداد والشمّاخ وحوالة وبير أبو العلق- وأصبحت معشوقتي البتراء اكثر قربا وايسر طريقا كما اصبح السفر الى الطفيلة ومعان وعمان والمفرق أقل صعوبة بما لا يقاس وأصبحت لي هواية جديدة هي الصيد واصبح لي أصدقاء كثيرون، خاصة عضو حزب التحرير الإسلامي، المنفتح سياسيا وثقافيا على من يخالفونه الرأي -وانا منهم- ابن معان الجواد المحترم هاني محمود عبد القادر سكّر، الذي كانت مكتبته الكبيرة ينبوعا ثرّا، استعير منها دواوين الشعر الجاهلي والكتب السياسية المختلفة، خاصة اليسارية، قرأت حينها كتب الشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير وأصبحت بالطبع اول من يقرأ منشورات الحزب. عاش صديقي هاني مطاردا مشردا متخفيا، كان يزورني أحيانا في منزلي في شارع الأمير محمد مقابل مدرسة سمير الرفاعي في عمارة إبراهيم حماتي، وكنت اعمل صحافيا وكاتب مقالة يومية بعنوان "عرض حال" في صحيفة الاخبار الكائنة في منتصف شارع وادي صقرة او يزورني في التسوية التي كنت اسكن فيها في الجزء الجنوبي من جبل اللويبدة او في إسكان الصحافيين بطبربور فيبيت عندي ليلة او ليلتين ثم يختفي اشهرا طوال، وفي صيف 1974 سافرت الى لبنان وأحضرت له شقيقه ياسين من صيدا التي كان يستشفي فيها، بسبب عدم قدرة هاني على السفر خشية الاعتقال. كنت أشارك في اعراس الأهالي، "أُنقّط" العريس وادبك واغني وأطخ في كل عرس باغتين او ثلاث باغات – سعر الطلقة 3 قروش- وكان متوفرا بكثرة مثل توفر الحطب، رشاش "الستن" الذي كان اسمه "بور سعيد" -ثمنه 7 دنانير- وبندقية "السيمينوف" -ثمنها 10 دنانير- و"الكلاشنكوف" وثمنه 15 دينارا. امتلأت الشوبك بالأسلحة التي كان بدو صحراء سيناء يجمعونها من مخلفات الجيش المصري المدمر في سيناء وينقلونها على الابل ويعبرون بها حدودنا تهريبا، وقد أصبحت تلك الأسلحة المهربة جزءا من سلاح الفدائيين لاحقا. كنت أُدْعى باستمرار الى كل ولائم الاعراس، فالمعلم نوّارة ذلك الزمان، كنت وما زلت احب المناسف الجماعية التي يكون لبنها خفيفا اقرب الى الماء، "مثل غسول اليدين على راي جدتي"، كانت الاعراس مناسبة يفترض ان أحظى فيها، انا العزب المغترب البعيد عن اهلي، بوجبة دسمة بعد وجبات لا حصر لها من السردين والتونا والبيض والبولابيف. وما ان توضع المناسف على الأرض حتى يتحلّق المدعوون حولها وفي لمح البصر تختفي قطع اللحم بين ايدي المدعوين الضخمة، لم يكن لائقا ان "يدافش" المعلم ولا ان ينافس على قطع اللحم!! كنت "أنقّط" العريس نصف دينار وهو مبلغ محترم واعود الى غرفتي لأتغدى علبتي طن او علبة بولابيف صغيرة. تكررت عودتي من ولائم الاعراس خائبا جائعا، فقررت ان اضع حدا لهذه الحال المائلة. في العرس الذي يلي تقدم المدعوون كلهم نحو المناسف الا انا، بقيت بعيدا وسط الحاح المعازيب عليّ ان اتغدى فاعلنت: كلوا صحة وعافية "انا مُحَمّى عن الرز" فصرخ والد العريس: الأستاذ محمّى عن الرز يا عيال، وما هي الا دقائق حتى وضعوا امامي صينية مليئة بخبز الشراك وفوقها قطع كثيرة من اللحم اكلتها كلها بشراهة لم اعهدها في نفسي، اكلت حينها عن الاعراس كلها التي فاتني لحم مناسفها، انتقمت من الخيبات وثأرتُ للمرات كلها التي عدت فيها الى غداء المعلبات. تكررت هذه الحالة الدسمة الجميلة، عرسا آخر، فما ان وضعوا المناسف ودعوني حتى بادر احد المعازيب الى الإعلان: الأستاذ محمّى عن الرز، هاتوا "صينية الأستاذ" يا عيال. وفعلا حطت امامي صينية مليئة بقطع اللحم الجميل "تربّعتُ" على الأرض والتهمتها كلها، كانت اعين عدد من المدعوين ترمقني حسدا وانا لا ابالي، لا بل وانا اكاد انفجر من الضحك، لقد "دبّرت راسي" كما يقول الكركي الأصيل بشير الرواشدة. في العرس الذي يلي، اعلن رجلان انهما مُحَمّيان هما أيضا عن الرز!! هاتوا "صينية الأستاذ" صرخ شقيق العريس ودعا الرجلين الى الانضمام اليّ ومشاركتي صينيتي، تبادلت معهما النظرات ونحن نوشك ان نقول "دافنينو سوا". تم إبطال "الحيلة البيضاء" التي فعلت فعلها اللذيذ وصار عليّ ان ابحث عن ذريعة أخرى للتغلب على فوبيا المناسف الخانق، فكنت اتعمد احيانا ان اصل متأخرا فتصل "صينية الأستاذ" المليئة باللحم الذي لا يشاركني فيه احد!! لم اشعر بثلج شتاء 1967 في الشماخ على شدّته، فقد كنت قريبا من "عقدة" المواصلات وكان بقربي هاتف وعيادة صحية كما انني أصبحت أشد بأسا، درّس المعلمون والمعلمات في ظروف الأردن القاسية تلك الأيام، ودرَس ابناؤنا الطلاب هم أيضا في ظروف غاية في القسوة. درست السادس والسابع والثامن والتاسع في المدرسة الهاشمية الإعدادية التابعة للثقافة العسكرية والواقعة في اقصى شمال المفرق. كنت امشي نحو 8-10 كيلومترات يوميا ذهابا وإيابا الى المدرسة في الحر والقر، وامشي أحيانا نحو 3 كيلومترات الى اقصى جنوب شرق المفرق حيث موقف سيارة الجيش التي تنقلنا الى المدرسة. اذكر من زملاء تلك المدرسة سعد هايل السرور وعلي سلامة أبو فلاحة وعلي خلف الحمود وعلي خميس الشويعر، وكان الملازم عادل محمد حسن مدير المدرسة الهاشمية من انبل من عرفت من المعلمين. كان صيف 1968 في المفرق صاخبا فوارا، فكارثة حزيران تلقي بظلالها على ارواحنا وعلى علاقاتنا، فكانت الهزيمة والرد عليها، هما جدول اعمال أبناء جيلي بامتياز، كنا نشعر بالخذلان والعجز وكان علينا ان نفعل شيئا، تحاورنا ليالي طويلة، ورجعنا الى عشرات المراجع مثل كتاب ما العمل للينين والى مؤلفات ماو تسي تونغ ومذكرات كتب غيفارا ومحمود شيت خطاب وليدل هارت وفرونزة ومذكرات دوغول وتشرتشل ومختلف القادة السياسيين والعسكريين. توزع الشباب على أحزاب وتنظيمات تلك المرحلة المرعبة، فمثلا اختار الشقيقان يوسف وعماد ميخائيل القسوس الحزب الشيوعي، والشقيقان فخري وميشيل ثلجي النمري الجبهة الديمقراطية، وفؤاد زيتاوي ومحمد النجدي جبهة النضال الشعبي، ومحمود النجدي وصلاح الداغستاني الجبهة الشعبية. تابعت كاتبي المفضل غسان كنفاني فوجدته في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي اسستها حركة القوميين العرب عقب الهزيمة عام 1967 فالتحقت بالجبهة برفقة محمود إبراهيم كساب، الذي أصبح لاحقا زوج شقيقتي خديجة، عملت في مكتب المفرق ثم لاحقا في مكتب الطفيلة الى ان حلّت كارثة أيلول 1970. بلغ بي التمزق ذراه، والفانتازيا قمتها، فالجيش والفدائيون، في المواجهة على الضفة الشرقية وفي عمان "هانوي العرب"، وهناك على الضفة الغربية المحتلة يقف الجيش الإسرائيلي المحتل متفرجا على دمنا. جيشنا وقواتنا المسلحة التي تضم عمي جعفر وشقيقي علي وخالي عبد الحليم مزعل مشري وصديقي عبد المهدي علي التميمي وصديقي الطيار فراج فراج دبابنة ومديري الغالي عادل محمد حسن، جيش الشهداء: الطيار فراس العجلوني وفرحان محمد الحسبان وصالح شفيق صلاح في مواجهة الفدائيين!!! في الطفيلة تمت الأمور على خير واكمل وجه، قام الحكماء عبد الله ذياب العوران أبو غازي ومحمود إسماعيل الداودية أبو فتحي ومحمد ابراهيم المرافي أبو حكمت وآخرون بمساعى مكوكية مضنية لابرام اتفاق بين الفدائيين والجيش تم بموجبه الحيلولة دون وقوع مذبحة، فالفدائيون المزودون بمدافع الهاون ورشاشات الدوشكا يستحكمون في مرتفعات الطفيلة ويشترطون سلامة رفاقهم ويهددون بالقصف. تم الاتفاق الذي حال دون اقتحام مكاتب الفدائيين في مدينة الطفيلة وجرى اخراجهم الى الكرك وكان من بينهم علي الهواري مدير مكتب جبهة التحرير العربية الذي زرته في مخفر الطفيلة فوجدته متحزما بمسدس يضعه تحت القميص والطلقة في بيت النار. 1 96
 
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير