النسخة الكاملة

ذكريات معلم -4- إجازتي الأولى التي بنكهة الدم

الأحد-2015-03-15 12:56 am
جفرا نيوز - جفرا نيوز - محمد داودية  ملاحظة: تطمح هذه السلسلة من الذكريات، التي تبرز عناء المعلم الاردني وكفاحه وحياته القاسية قبل 50 عاما، الى انصاف المعلم الأردني وتعزيز الصورة الايجابية للمعلم لدى الرأي العام ولدى الطلاب، كما تطمح الى تبيان الظروف المتوحشة التي تعلم فيها طلاب تلك الأيام.)) تتميز الشوبك بالعدل والتوازن والانصاف، فهي تعوّض شقاءَ شتائها القارس الرهيب، بربيع فوّاح باذخ خلّاب، لا يضاهى، يكشف عن رحابة الشوبك وفرادتها وحنانها، تغدق عليك الشوبك ضوعَها وعبقَها وبهجةَ خضرتها الزاهية، فتنسيك كل معاناة الشتاء وظلمته وكآبته. امضيت أول واجمل ربيع حقيقي مرّ عليّ في حياتي، كنت في التاسعة عشرة، في العمر الذي تعتبره الأمهات، في كل العالم، سن طفولة وحضانة ورعاية، لم تر عيناي ربيعا كهذا حيث يطاول العشب البري قامتي ويوشك "سبل" القمح، الجانح الى الزرقة، ان يصبح موجا وان يصبح حفيفه موسيقى رائقة تتغلغل في الروح. اغرقنا أهالي الطلاب بالحليب الطازج وبالبيض وباكوام الزبدة وبالفريكة وبالعسل البري الذي تقطعه السكين بصعوبة، قال زميلي المعلم محمد الملكاوي: يا صاحبي لا يستجيب الأهالي لمناشداتنا ان يتوقفوا عن احضار الزبدة التي تحتاج الى ثلاجة نحفظها فيها، وأضاف: سنغلي الزبدة ونحولها الى سمن بلدي نحمله معنا حين سفرنا اخر الشهر. حلّت عطلتي الصيفية الأولى، فغادرت "قريتي" بير أبو العلق متثاقلا، قلت لنفسي: هاهنا المتعة الحقيقية والالتحام بالطبيعة وبالمكان والصيد والنوم الى الساعة العاشرة والسهر الى مطلع الفجر. بعد أيام قليلة من وصولي الى المفرق انهالت قذائف طائرات الفوتور ومقاتلات الميراج الإسرائيلية على قاعدتها الجوية، انها الحرب التي انتظرناها طويلا ونتطلع الى كسبها خلال يوم او يومين لنصيّف على شواطيء حيفا ويافا وتل ابيب، انتهى اليوم الأول، الخامس من حزيران سنة 1967، والانباء في ذروة التضارب، العرب يعلنون النصر والعدو يعلن النصر، وسط كل ذلك شاعت اخبار تدمير طائرات العرب الحربية على الأرض وسرعان ما عم الحزن المدينة على استشهاد الطيار الرائد فراس العجلوني الذي كان مألوفا بشدة لاهل المفرق. كان شباب المفرق يتجمعون بالعشرات يتناقشون ويتبادلون الاتهامات عن خذلان الرجعية العربية وعن اكذوبة صواريخ احمد سعيد "الظافر والقاهر" وعن تدخل الاتحاد السوفياتي الذي لا يتحقق مقابل الجسر الجوي العسكري الأمريكي للجيش الإسرائيلي. كنا نظل في الشارع، بعضنا يبكي وبعضنا يعلن عن وجوب التطوع واخرون يحتسون زجاجات البيرة ودائما سرحان ذيب النمري يمسك بالراديو يوجه مؤشره على صوت العرب مرة وعلى عمّان مرة وعلى البي بي سي مرة ثالثة وعلى إذاعة دمشق مرة رابعة ويظل يرفض ان يفتح على إذاعة إسرائيل وسط احتجاج البعض على حرماننا من مصدر معلومات يحمل معلومات مغايرة وكان يردد جملته الشهيرة: انطموا ولكم، مش ناقصنا سمة بدن. سقط العرب وانتصرت إسرائيل، سقطت الضفة الغربية وسقطت الهضبة السورية -الجولان- وسقطت سيناء، مادت بنا الأرض وضاقت واصابنا عماء وذهول واحباط ومرارة ما تزال تلف أبناء جيلي الى اليوم، كان جرحنا غائرا داميا، فقد تهيأنا لتحرير ما احتل من بلادنا فلسطين فاذا باسرائيل تهزمنا في حرب خاطفة استمرت ستة أيام فقط، وفي واقع الحال، وكما بينت الوثائق، انكسر العرب من اليوم الأول الذي سيطرت فيه طائرات سلاح الجو الإسرائيلي على الأجواء العربية بالمطلق، فقد تمكن هذا السلاح من تدمير 400 طائرة عربية، 340 طائرة منها دمرها وهي جاثمة على الأرض مقابل تدمير 19 طائرة إسرائيلية فقط. واحتار منظرو الهزيمة في تسمية الكارثة: هل هي هزيمة أم نكسة أم نكبة! انتحر – او نُحر- وزير الحربية وقائد الجيش المصري المشير عبد الحكيم عامر الذي "نُطِّطَ" عام 1953 من رتبة رائد الى رتبة لواء، متخطيا ثلاث رتب، ليتسلم قيادة الجيش المصري!!! وتنحى احمد الشقيري زعيم منظمة التحرير الفلسطينية. وتنحى الرئيس المصري جمال عبد الناصر متحملا المسؤولية (!!)عن الهزيمة الصاعقة فخرجت جماهير مصر والأمة العربية الى الشوارع بالملايين رافضة الهزيمة والاستسلام وهي تهدر:" حنحارب حنحارب"، رادة الروح الى قياداتها التي سارعت الى عقد قمة الخرطوم ذات اللاءات الثلاثة: لا صلح لا اعتراف لا تفاوض. كانت تلوح في الأفق رايات جذابة فاتنة جديدة هي رايات "حركة التحرير الوطني الفلسطيني" التي مختصرها هو "ح.ت.ف" أي "حتف" والتي تم قلبُ حروفها لتصبح "فتح" مستلهمة حركات التحرر الوطني والمقاومة الشعبية ضد الاستعمار، في الصين وكوبا وفيتنام وافريقيا وامريكا اللاتينية واسيا التي الهمت الشعوب. كانت ميول مجموعة مثقفي المفرق آنذاك تتوزع بين الأحزاب القومية واليسار، فقد تسلمت اول منشور لحزب البعث العربي الاشتراكي من سميح فرحان فريح النمري وكان المنشور مروسا بعبارة خلابة هي "امة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة" وامتلأت شوارع المفرق بمنشورات حزب التحرير الإسلامي وحزب البعث وحركة القوميين العرب وجماعة الاخوان المسلمين. فقد جيلي الثقة بخطاب مذيع صوت العرب احمد سعيد الذي اطلق عليه محمود إبراهيم كساب لقب "غوبلز" وفقدنا الثقة بزعامة جمال عبد الناصر الذي "خفش" واصبح اقل هديرا وتهديدا ووعيدا، ولم نعد نستمع لإذاعة صوت العرب، وكنا نقرا مقالة محمد حسنين هيكل بعيون الريبة والشك، كانت أصوات مثقفي اليسار يرتفع ايقاعها وهاهم منارات المرحلة: فؤاد زكريا واحمد زكي وسهيل ادريس وصادق جلال العظم وغسان كنفاني وحسين مروّة واحمد بهاء الدين ولطفي الخولي وأمل دنقل ورفعت السعيد وعبد الرحمن بدوي وفتحي غانم واحمد فؤاد نجم، وهاهم شعراء المقاومة وادباؤها يبرزون من الأرض المحتلة: محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زيّاد وإميل حبيبي، يمدوننا بدفقة عزم في التوقيت الحاسم الضروري، لقد شكلت الثقافة – كما ظلت دائما – رافعة الامة ومصابيحها في الظروف الحالكة. عدت اذن الى اهلي في المفرق، بحثت عن فتاتي فوجدتها قد رحلت الى الزرقاء، ذهبت الى الزرقاء وبحثت دون جدوى عن صبية في اول التفتح وفي أول الخفر، كانت حين تلامس يدُها يدي، تضرب جسميَ صاعقةٌ ويرجّني زلزال. كانت طالبة الثاني الثانوي في عطلتها الصيفية هي الأخرى، اصابتني فجيعة كبرى، انتظرتُ فتاتي، ما يئست من توقعي ان تبادر وان تعود الى "مكاننا" الذي يقع خلف منزلينا المتجاورين في حي المعانية، غرب سكة الحديد، كتبت لها رسالة تطفح بالامل وبالاصرار: لم تأتِ لموعدها الأول، لم تأتِ لموعدها الثاني، لم تأتِ لموعدها العاشر! كنت امارس فعل الكتابة من خلال رسائل حب عذري طويلة مثقلة بالعواطف والهوى والعذوبة، تهطل منها الرقّة والوجد والصبابة ، يتخللها أحيانا حديث في السياسة، كانت الحياة السياسية في المفرق في أواخر الخمسينيات ومطلع الستينات، ناضجة فوارة حيوية، وكانت الفتيات مشاركات في توزيع المنشورات والمظاهرات وحمل اليافطات والهتافات، وذات يوم وجهت طالبات ثانوية المفرق رسالة لنا يدعوننا فيها الى التظاهر معا في ذكرى نكبة فلسطين، وختمن رسالتهن الحماسية بكلمات خالدة: "نحن نساند بعضنا بعض نحن حفيدات خولة بنت الازور، شقيقات ضرار، غدا في ساحات الوغى والقتال في فلسطين، منكم الجرحى ومنا الممرضات". نشأنا معا، وعندما أصبحتُ في الصف الأول الثانوي، تباهت امام صديقاتها وقالت: انا ما بحب اعدادي انا بحب ثانوي! وعندما أصبحتُ معلما، مسّها الزهوُ والفرح وراودتها الاحلامُ الوردية الزاهية الجميلة وكانت الخيول البيضاء تركض خببا في عالمها، ورهن اشارتها، هكذا كتبت لي في عدة رسائل وجدتها في المكان السري المخصص لبوحنا. انقضت العطلة الصيفية سريعا، عدت الى الشوبك، تقرر نقلي معلما منفردا الى مدرسة بير الدباغات لأحلّ محل زميلي المعلم محمد الملكاوي الذي نُقل هو الاخر الى محافظة اربد، ذهبت الى بير أبو العلق مودعا طلابي وأهالي القرية، كان يوما حزينا، يوما لا أتمكن من وصف ندمي على حدوثه، تعلّق طلابي بي وهم يشدونني وينتحبون، اوشكت ان اختنق، كفكفت دموعي مرات ومرات وتمنيت لو ان النقل اللعين يلغى، توجهت نحو العجوز التي اهدتني فروتها فوجدتها تكفكف دمعها، ما هذا، كان ثمة حطام من المشاعر وركام من العواطف الإنسانية البريئة، فعلى أية حماقة أقدمت انا؟! اهداني والد احد طلابي حصانَه "الشهاب" الذي اعتدت ان استعيره منه وامتطيه الى البتراء، فقد كانت ألفة ملحوظة قد نشأت بيني وبين الحصان الذي اطلقت عليه اسم الشهاب، اعتذرت بشدة عن قبول الهدية الثمينة، فلم تعد بي حاجة الى الخيل، فقرية الدباغات تربض على الطريق الرئيسي بين الشوبك ووادي موسى، ويمكن لي ان اركب السيارات العابرة وازور البتراء التي ادمنت زيارتها. تحسنت الاوضاع كثيرا، وخفّت حدّة الغربة الثقيلة التي عانيت منها وانا ما أزال في اول خطاي، قال لي عدنان خليل خطاب، ممرض قرية بير خداد، عندما زارني بصحبة معلمي القرى المجاورة واطلع على حال القرية: والله يا محمد لو ربطوا قرودا مكانك في بير أبو العلق لقطّعت جنازيرها وهربت!! كان المعلمون غير المنفردين من طبقة أرقى !! وكانوا يطلقون على المعلم المنفرد لقب "المعلم المنقرد". انتهى الفصل الصعب الأول من معاناتي، فانا هنا في بير الدباغات، "حاضرة" المنطقة التي تتوسط عدة قرى هي قرى بير أبو العلق وحوالة وبير خداد والشماخ، ومدرستها التي تتكون، كعادة المدارس تلك الأيام، من غرفتين، واحدة للتدريس والأخرى للمعلم المنفرد، تقع على بوابة الغابة الكثيفة الجميلة وهكذا أصبحت أرى صيادين وحطابين يستعدون للشتاء القارس القادم بتحطيب الشجيرات الآيلة الى السقوط، والجميل انني نادرا ما رايت حطابا يتجاوز على الشجيرات المعافاة، واذهلني صديقي التاجر عوض عندما قال انه ينتظرني تحت "البليليطة" وهو التصغير السليم لكلمة بلوطة! كانت المشكلة الأعوص التي تواجهني هي الطبخ ثم غسل الملابس الداخلية والجرابات – الكلسات والقمصان، ولذلك اشتريت اكداسا من الجرابات الجيشية والملابس الداخلية الصوفية الثقيلة واستعضت عن القمصان بالكنزات الصوفية التي لا تحتاج الى كوي متكرر. دلني المعلم محمد الملكاوي على طريقة تحضير العجين وترك لي منقلا كبيرا، كنت أُجمِّر الحطب فيه واضع فوق الجمر مشبكا حديديا ثم اضع العجين المرقوق فوق المشبك وأقلّبه وبعد دقائق احصل على خبز قمح محمر، اقسم انني لم آكل الى اليوم اطيب واشهى منه. العمل ممتع ومختلف في بير الدباغات التي لا تبعد عن بير أبو العلق اكثر من خمسة كيلومترات، ولذلك تفرغت للطبيعة وللقراءة المكثفة التي تركزت على الدراسات السياسية والعسكرية ومذكرات كبار القادة في التاريخ وعلى المجلات السياسية والثقافية التقدمية المصرية واللبنانية مثل مجلة الاداب ومجلات الطليعة والفكر المعاصر والمجلة، في محاولة لفهم ما يجري في العالم. لم يكن طلابي بحاجة الى الحضانة والرعاية الخاصة التي احتاجها طلاب بير أبو العلق، وضعت منقلين في غرفة التدريس التي كانت تضم 12 طالبا، الاول قريب من الباب والثاني في نهاية الغرفة، ووضعت جدولا يوميا بحيث يقوم طالبان كل يوم باحضار حطب التدفئة واشعاله الى ان يصبح جمرا فيجران المنقلين الى غرفة التدريس التي تصبح مكانا دافئا صالحا للدراسة.
© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير