السريّة في اتخاذ القرار من عوامل الاستقرار
الأحد-2015-01-18 01:31 am
جفرا نيوز -
جفرا نيوز - بقلم محمد داودية -
يوم الخميس 1996.1.18 (مثل اليوم !!) اتصل بي المرحوم الأمير زيد بن شاكر رئيس الوزراء آنذاك ودعاني الى "فنجان قهوة في الرئاسة" وقال لي انه يفكر في اجراء تعديل على حكومته أدخُل فيه الحكومة وزيرا للشؤون البرلمانية، وقال: الى ان يحين وقت التعديل ارجو ان نتعاون وانا انتظر منك اي اقتراحات لتطوير علاقة الحكومة بمجلس النواب وأضاف: لقد سألت النواب طاهر المصري وعلي أبو الراغب وسعد هايل السرور وسمير حباشنة وآخرين فأجمعوا على انك أنسب أعضاء المجلس لوزارة الشؤون البرلمانية وأضاف: الكل يلاحظ ان علاقاتك طيبة مع الجميع.
يوم الخميس 1996.3.1 سرت إشاعة في اوساط النواب مفادها ان الملك سيغيّر الحكومة، اتصلت مع سمير حباشنة وزير الثقافة وكان في ضيافة امجد المجالي سفيرنا في اليونان وأبلغته ما سمعت فقال لي انه سيتصل برئيس الوزراء لجلاء امر الاشاعة. هاتفني بعد قليل قائلا ان الرئيس ينفي هذه الاشاعة نفيا قاطعا، تدحرجت الاشاعة الى ان أصبحت حقيقة فقد اتصل بي عبد الكريم الكباريتي يوم الجمعة وابلغني ان الملك الحسين يرحمه الله قد كلّفه بتشكيل الحكومة وانه سيبدأ في مشاوراته مع الكتل النيابية وانه يرغب في لقاء المستقلين صباح يوم غد السبت في مبنى الاتصالات في الديوان الملكي، يوم الاحد 1996.2.4 اقسمت الحكومة اليمين الدستورية !!
المرحوم الأمير أبو شاكر ابن عم الملك الحسين واقرب الناس اليه، رفيق صباه وعضده في كل التحديات وسنده في كبرى المنعطفات، مستودع اسراره و"شويره" الموثوق الصادق المخلص الأمين، ورئيس وزرائه، لم يكن يعرف عن النقلة القادمة للملك!! تلك ليست مسألة ثقة من عدمها، وليست مكتومية وسرا يحجب عن ابن العم الذي يضغط في صدره عشرات الاسرار الكبرى الخطيرة، تلك مقتضيات المُلك الصارمة القاصمة وضرورات الحُكم واكراهاته التي يطبقها الملك ويتفهمها أبو شاكر ويحترمها.
وفي هذا المقام، فلا نزال نذكر كيف ان الملك الحسين رحمه الله، أراد ان يطمئن الحكومة وان يبدد قلق الوزراء كي لا تلهيهم اشاعات التغيير الحكومي التي كانت تملأ الأردن فقال لرئيس الحكومة في المطار: لا تصدقوا الاشاعات التي تتحدث عن قرب رحيل الحكومة فهذه اشاعات ليس لها أساس من الصحة، فقال عبد الرؤوف الروابدة احنا مش مهم نصدق او لا نصدّق، المهم انت لا تصدق يا جلالة الملك.
ويروي السابقون كيف ان بهجت التلهوني كان يشرح للملك الحسين في الديوان الملكي خطة عمل حكومته للسنتين القادمتين والملك يعدل ويضيف ويزيد وينقّص، وفي طريق عودته من الديوان الى منزله صدرت الإرادة الملكية بتغيير الحكومة وتعيين الشهيد وصفي التل (1965.2.12).
اتصل بي فيصل الفايز في المغرب التي كنت سفيرا فيها وقال لي اريدك الى جانبي وزيرا للتنمية السياسية والشؤون البرلمانية وكان ذلك في 2004.10.22 ، وفي عمان اكتشفت ان المشاورات لتشكيل الحكومة، التي استغرقت اكثر من ثلاثة اشهر، تمت بسرية تامة حتى على مدير المخابرات آنذاك سعد خير!! مما اوغر صدره فناصب حكومة ابن عمته العداء المرير حتى قبل ان تقسم الحكومة يمينها الدستوري في 2004.10.24.!!
ان التساهل في أي مفصل من مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والامنية والعسكرية قد تعني دمارا شاملا كما حصل للحكم الهاشمي في العراق على يد الانقلابيين بزعامة المفصوم عبد الكريم قاسم عام 1958. فقد سمعت الملك الحسين يقول معقبا على كتاب صدر عن الحكم الهاشمي في العراق وكنت وقتها "مدير الاعلام والعلاقات العامة للديوان الملكي الهاشمي" ان "ممارسات" ولي عهد العراق الأمير عبد الإله هي سبب سقوط الحكم الهاشمي وتدميره في العراق وخلاصة تلك التجربة المريرة معروفة في التاريخ كواحدة من عوامل ضعف الحكم وأفوله: "يا إمارة يا تجارة" !! وأن لا شراكة في الحكم ولا قرابة ولا مصاهرة ولا صداقة ولا عداوة، فالملوك للجميع، والجميع على مسافة واحدة منهم وكانت العرب تقول: "الأمير من لا يعرف الأمير" أي ان الامراء والحكام ليسوا في خدمة احد دون احد وليسوا عصا أحد على أحد، وبوجيز العبارة فان الملوك يضغطون على مشاعرهم وعواطفهم ضغطا هائلا ويحيدونها بحيث لا يحبون ولا يكرهون.
ومن فضل الله علينا وعلى الهاشميين، ان الامير الحسن ولي العهد الاسبق، والأمير الحسين ولي العهد، ظلا ملتزمين بفضائل ومناقب ومناهج واخلاق ولاية العهد الرشيدة فظلا بعيدين عن الشبهات كلها.