النسخة الكاملة

العالم المجنون

الخميس-2026-05-07 11:42 am
جفرا نيوز -
إسماعيل الشريف

في زمن الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً - جورج أورويل.

في صلاةٍ مسائيةٍ بكاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان، دعا قداسة البابا ليو الرابع عشر إلى أن يعمّ السلام العالم، منتقداً الحرب على إيران، ومؤكداً لا أخلاقيتها. وقال إن ما يجري اليوم تحكمه «أوهام القوة المطلقة»، موجّهاً نداءً مباشراً إلى قادة العالم: كفى لعبادة الذات والمال.. كفى للحرب.. فالقوة الحقيقية إنما تكون في خدمة الحياة.

جاء الردّ سريعاً من الرئيس ترامب في منشورٍ مطوّل على منصته «تروث سوشال»، اتهم فيه البابا أعلى سلطة روحية في الكنيسة الكاثوليكية وقائد أكثر من مليار كاثوليكي بالتساهل مع الجريمة ومجاملة اليسار الراديكالي، بل ولمح أن يبتعد عن الشأن الديني. ولم يكتفِ بذلك، بل أرفق منشوره بصورةٍ يظهر فيها نفسه بهيئة السيد المسيح المعالج، ما أثار موجة غضبٍ واسعة حتى داخل صفوف مؤيديه، واعتُبر الأمر «تجديفاً مرفوضاً»، قبل أن يُحذف المنشور لاحقاً تحت ضغط الانتقادات.

ثم دخل نائبه جي دي فانس على الخط، موجّهاً ما بدا توبيخاً للبابا، داعياً إياه إلى الاكتفاء بالشأن الأخلاقي وترك رسم السياسات لرئيس الولايات المتحدة. غير أن هذا الطرح قوبل بسيلٍ من الانتقادات، باعتبار أن الحرب على إيران، في جوهرها، قضية أخلاقية قبل أن تكون سياسية.

وعقب ذلك، كشفت أرقام استطلاعات الرأي عن تراجعٍ حاد في شعبية ترامب، فيما برز نائبه جي دي فانس كواحدٍ من أقلّ نواب الرؤساء شعبيةً على الإطلاق.

غير أن البابا لم يلتزم الصمت؛ فكان ردّه حاسماً، مؤكداً أنه لا يخشى ترامب، وأنه ماضٍ في معارضته للحرب دون تراجع.

لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن هذه الحرب تقوم على ركيزتين أساسيتين تكشفان لا اخلاقيتها. الأولى، أن مجرم الحرب نتن ياهو ومستشاري ترامب الصهاينة قد دفعوا الأخير نحو هذه الحرب، متجاهلين كل التقارير الاستخباراتية التي تحذر من تبعات هذه الحرب خاصة اغلاق مضيق هرمز. أما الثانية، فتتعلق بالعامل النفسي الذي كان له أثرٌ واضح في قرار ترامب؛ إذ إن غيرته من أوباما على خلفية توقيعه الاتفاق مع إيران أسهمت في تقويضه، ولو لم يُمزَّق ذلك الاتفاق النووي الذي كان قائماً وناجحاً وتحت رقابة المفتشين لما بلغنا هذا المنعطف أصلاً.

هكذا يبدو العالم اليوم مقلوباً على رأسه؛ إذ تُمنع أعلى سلطة دينية من الدعوة إلى السلام، ويُطلب منها أن تبتعد عن الدين نفسه، بينما تتصدّر السلطة السياسية الحديث عن الأخلاق، وتقدّم نفسها في هيئة المُخلِّص، وتغرق في خطاب نبوءات آخر الزمان. ويجد رئيس أكبر دولة في العالم نفسه منقاداً خلف إرادة مجرم حرب يوجّهه كيف يشاء، فيمزّق اتفاقاً أبرمه سلفه بدافع الخصومة لا المصلحة. وفي هذا المشهد المضطرب، تُستباح دماء مرجعيات دينية يتبعها مليارات البشر، في حين تُكمَّم أفواه مرجعيات أخرى وتُمنع حتى من إبداء رأيها.

حقاً، نحن نعيش في قلب زمنٍ مجنون زمن إبستين.

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير