اطباء: احذروا المضادات الحيوية

رغم تزايد المؤتمرات الطبية والتوصيات الدولية التي تحذر من مخاطر مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية إلا أن المؤشرات العملية داخل المؤسسات الصحية ما تزال تكشف عن فجوة واضحة بين ما يطرح علميا وما يطبق فعليا في الممارسة اليومية.

وأكد أطباء ومختصون، أن الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية، وضعف برامج ترشيدها، وصرفها دون وصفة طبية، عوامل تسهم في تسارع ظاهرة المقاومة الجرثومية، التي باتت تشكل أحد أخطر التحديات الصحية عالميا، مع انعكاسات مباشرة على الأنظمة الصحية، وكلفة العلاج، وجودة الرعاية الطبية، بما في ذلك في الأردن.

من جهته حذر استشاري المناعة السريرية وأمراض الروماتيزم الدكتور عادل الوهادنة من اتساع الفجوة بين الخطاب العلمي والممارسة اليومية، في التعامل مع ظاهرة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، مؤكدا أن كثرة المؤتمرات والتوصيات لا تكفي ما لم تنعكس على مؤشرات أداء حقيقية داخل المؤسسات الصحية.

وأضاف أن المشهد الطبي يشهد مؤتمرات وورش عمل حول مقاومة المضادات الحيوية، حيث تعرض التوصيات الدولية وتستشهد بإرشادات منظمة الصحة العالمية، إلا أن المعيار الحقيقي لنجاح أي نظام صحي لا يتمثل بعدد المؤتمرات، بل بمؤشرات الأداء الفعلية على أرض الواقع.

واعتبر الوهادنة أنه بعد أكثر من أربعة عقود من الممارسة السريرية، تبدو الفجوة الرقمية بين الخطاب والتنفيذ أوسع مما يتصور، مشيرا إلى مجموعة من المؤشرات التي تعكس الواقع الحالي في التعامل مع المضادات الحيوية.

وأوضح أن الإفراط في وصف المضادات الحيوية في التهابات الجهاز التنفسي العلوي، ما يزال أحد أبرز مظاهر الخلل، إذ تصل نسبة وصفها في هذه الحالات إلى نحو 50-70%، رغم أن الأدلة العلمية تشير إلى أن أكثر من 70% من هذه الالتهابات فيروسية ولا تحتاج إلى مضادات حيوية، مما يعني أن جزءا كبيرا من الوصفات الدوائية غير مبرر علميا.

ولفت إلى أن بدء العلاج بالمضادات قبل أخذ مزرعة جرثومية يحدث في أكثر من 60% من الحالات الاستشفائية، وهو ما يضعف دقة التشخيص، ويؤثر على فهم أنماط المقاومة الجرثومية المحلية.

وأشار الوهادنة إلى أن تقارير الحساسية الجرثومية المؤسسية (Antibiogram)، ما تزال غائبة في معظم المؤسسات الصحية، إذ لا تنشرها سوى أقل من ثلث المؤسسات، رغم أن هذه التقارير تعد أساسا في اختيار العلاج التجريبي الرشيد.

ونوه إلى أن التحول من المضادات واسعة الطيف إلى المضادات ضيقة الطيف بعد صدور نتائج الزراعة، لا يتم إلا في نحو 40% من الحالات، في حين توصي المعايير الحديثة بأن تتجاوز هذه النسبة 70%.

وفيما يتعلق بمعدلات استهلاك المضادات الحيوية في بعض البيئات الصحية، أوضح الوهادنة أنها قد تتجاوز 30 جرعة معيارية يومية لكل ألف نسمة، مقارنة بنحو 15- 18 جرعة في أنظمة صحية أكثر انضباطا، وهو ما يعكس فجوة واضحة في سياسات الاستخدام الرشيد.

وتشير تقارير إقليمية إلى أن مقاومة بكتيريا الإشريكية القولونية للسيفالوسبورينات من الجيل الثالث، تتراوح بين 40 و60%، مما يقلص فعليا خيارات العلاج من الخط الأول.

في المقابل، تجاوزت مقاومة الكليبسيلا لمضادات الكاربابينيم نسبة 20% في بعض المراكز الصحية، وهو مستوى يقترب من عتبة تحولها إلى أزمة عدوى مكتسبة داخل المستشفيات.

وأكد الوهادنة أن برامج ترشيد استخدام المضادات الحيوية (Antimicrobial Stewardship) ما تزال محدودة، إذ إن أقل من 25% من المستشفيات تمتلك فرقا متكاملة بصلاحيات تنفيذية واضحة، تضم طبيبا وصيدليا سريريا وأخصائي أحياء دقيقة وتمريض مكافحة عدوى.

وأشار إلى أن إشراك الصيدلي السريري في القرار العلاجي، يمكن أن يخفض الاستهلاك غير الضروري للمضادات الحيوية بنسبة قد تصل إلى 20%، إلا أن دوره في العديد من المؤسسات الصحية ما يزال يقتصر على الجوانب الإدارية أو الصرف الدوائي.

وأكد على أن توفر الاختبارات التشخيصية السريعة مثل اختبارات المستضدات أو التشخيص الجزيئي، لا يتجاوز في بعض المرافق 35%، رغم قدرتها على خفض وصف المضادات الحيوية غير الضروري بنسبة قد تصل إلى 30%.

وبالنسبة لصرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية، نبه الوهادنة إلى أنها ما يزال مشكلة قائمة في بعض المجتمعات، حيث تتراوح النسبة بين 20 و50%، وهو ما يقوض أي سياسات وطنية تهدف إلى ضبط الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية.

وتشير تقارير وزارة الصحة إلى أن ترشيد استخدام المضادات الحيوية، وتعزيز برامج مكافحة العدوى في المستشفيات، بات من أولويات الاستراتيجية الوطنية لمكافحة مقاومة المضادات، نظرا لتأثيرها المباشر على جودة الرعاية الصحية وكلفة العلاج.

كما أكد مختصون صحيون أيضا على أن قضية مقاومة المضادات الحيوية تمثل تحديا متزايدا في الأردن، خاصة مع ارتفاع معدلات العدوى البكتيرية المقاومة في المستشفيات، وازدياد الضغط على النظام الصحي نتيجة الأمراض المزمنة والعدوى المكتسبة داخل المستشفيات.

وشدد الوهادنة إلى أن مقاومة المضادات الحيوية ليست أزمة نقص معرفة أو توصيات علمية، بل أزمة تطبيق ومساءلة، فالمعيار الحقيقي لأي نظام صحي ليس ما يقال على المنصات، بل نسبة أخذ الزراعة قبل الجرعة الأولى، وعدد تقارير الحساسية الجرثومية المنشورة سنويا، ومعدلات التحول إلى مضادات ضيقة الطيف، وتراجع نسب المقاومة عاما بعد عام.

وقال "عندما تصبح المؤشرات الرقمية جزءا إلزاميا من تقييم الأداء داخل المؤسسات الصحية، وعندما تقاس النتائج بالأرقام لا بالشعارات، يمكن حينها فقط القول إننا بدأنا مواجهة حقيقية مع مقاومة البكتيريا، لا مجرد الحديث عنها".

الرأي - سائدة السيد