لقاء «الرحمة».. تعالوا إلى كلمة سواء



مصطفى الريالات 

اللقاء الذي شهدته روما مطلع الشهر الجاري وشارك فيه قيادات دينية من مختلف أتباع الأديان والثقافات وقيادات في المؤسسات الإنسانية العالمية، لتناول مفهوم الرحمة عند الأديان والثقافات العالمية، اكتسب اهمية بالغة من حيث التوقيت والمضمون وحمل رسائل هامة في مواجهة العنف باسم الدين وتعزيز الحوار وقيم التعايش والتسامح وتعزيز المشتركات بين أتباع الأديان من أجل السلام والمصالحة. جاء اللقاء بتنظيم المجلس البابوي للحوار بين أتباع الأديان، بالتعاون مع مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات وشهد لقاء مجموعة من أبرز القيادات الدينية في العالم مع البابا فرانسيس بابا الفاتيكان اضافة الى تبادل التجارب والخبرات حول تعزيز مبدأ الرحمة لدى أتباع الأديان، وتسليط الضوء على أهمية الرحمة في تحقيق السلام والمصالحة، وذلك من خلال جلسات حوارية ومحاضرات. مبادرة المركز لتنظيم واستضافة هذا اللقاء الدولي الاستثنائي تمثل امتداداً لجهوده في إرساء قيم السلام والعدل وتعزيز فرص الالتقاء حول المشترك الديني والإنساني بما يدعم التعايش السلمي بين أتباع الأديان والثقافات على أسس المواطنة المشتركة والالتزام بدعم التنوع الديني والثقافي في هذه المجتمعات التي تعايشت سلميا لمئات السنين. يؤسس مثل هذا اللقاء الى منظومة روحية عميقة وذات تراكم معرفي عريق في التاريخ، سيما وان هناك تشابهات كبيرة بين القيادات الدينية والانسانية في الدعوة للعقلانية واتخاذها مبدأ شاملا في الانظمة المعرفية ويعطي المكانة الصحيحة للمؤسسات الدينية ذات الانسجام البنيوي وقاعدة اجتماعية واسعة مما يحد من التصرفات الدينية غير المسؤولة والتي تهيىء بيئة مساعدة لظهور ونشر التطرف والعنف الديني. ننظر للقاء بوصفه هاما كون انعقاده بهذا الحضور من القيادات الدينية والانسانية يعد قيمة اضافية لجهود تعزيز قيم الحوار والتسامح والرحمة اضافة الى ان ما خرج عن اللقاء يمكن اختصاره بعبارة واحدة وهي ان جميع المشاركين قدموا « كلمة مشتركة وعملا مشتركا ونموذجا مشتركا» لتكريس نماذج يحتذى بها في ممارسة الرحمة من أجل السلام والمصالحة وتعزيز قيم التناغم وايضا تعزيز التعايش والمصالحة والسلام من خلال الحوار، باعتباره الطريق الأوحد والأمثل لقطع الطريق على التنظيمات والجماعات المتطرفة وتجفيف منابعها الفكرية والتصدي لكافة ممارساتها التي تهدد التنوع الديني والثقافي وتهدر قيم المواطنة ومعالجة كافة الممارسات غير المنضبطة التي قد تهيئ البيئة الحاضنة لتبرير العنف باسم الدين في كثير من الدول والمجتمعات. مشاركة قيادات دينية اسلامية في اللقاء كان نقطة مهمة تضيئ على محطات تسهم في توضيح الرؤية الإسلامية الرشيدة ومن المهم جدا ان تتوافق القيادات والمرجعيات الدينية، مسلمة ومسيحية، وجماعات دينية وإثنية أخرى في الشرق الاوسط، على ايجاد نظام إنذار مبكر، للقضاء على محاولات زرع الفتنة والانشقاق ما بين الجماعات الدينية، وتأجيج الصراعات، ودعم حقوق المواطنة للمسيحيين والجماعات الدينية الأخرى في الشرق الاوسط وترسيخ القواسم المشتركة التي تجمع أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية، في إطار التعايش والسلام بين شعوب العالم. الأهمية التي يوليها مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين اتباع الاديان والثقافات لجهود تجذير أسس التآخي والتسامح والحوار، ونبذ كل مظاهر الانغلاق والتشدد والتعصب الفكري والديني، كمبادئ رئيسية في عمل المركز وسعيه الدائم من اجل ترسيخ وتعزيز رسالة التسامح والتعايش والمحبة بين شعوب الشرق الأوسط، ودعم سبل تحقيق السلام فيها. ولا شك ان ثمة قيمة كبيرة للحوار كأداة ضرورية للحد من ظواهر العنف للجماعات المتطرفة دينياً وسياسياً وللحد من الاستخدام السلبي لتعاليم الدين لإثارة الفتن وزرع التطرف فجوهر الدين هو بمثابة قوة إيجابية عظيمة لتحقيق الخير للغالبية العظمى من الناس في أنحاء العالم، ومن الأهمية توظيف التعاليم الدينية من أجل تشجيع التعايش والتفاهم المتبادل، بحيث يؤدي ذلك إلى نجاح الحوار في تدعيم الجهود الدولية لمواجهة التطرف وكذلك تعزيز المشتركات الإنسانية فيما بينها. من الضروري في هذا السياق الاشارة الى جهود المركز في تفعيل آليات التصدي لسوء استخدام الدين لتبرير العنف والتحريض على الكراهية في الدول والمناطق والمجتمعات التي تعاني من نزاعات سياسية مسلحة، من خلال قراءة موضوعية للمخاطر الكبيرة التي تهدد التنوع الديني والثقافي في هذه المناطق، والعمل على استنهاض المؤسسات والأفراد للمشاركة في مواجهة ظاهرة العنف والتطرف وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية والتربوية والدينية والإعلامية من أجل محاصرة الأفكار المنحرفة التي تغذي الإرهاب والتطرف تحت شعارات دينية والسعي إلى تكوين رأي عام فاعل لمكافحة محاولات توظيف الدين في النزاعات السياسية، من خلال تعزيز المشاركة المجتمعية في مواجهة هذه الأفكار المنحرفة والوقوف على أفضل المقترحات والآليات لمواجهة هذه المشكلة وتسليط الضوء على أهمية نشر ثقافة الحوار وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، لمكافحة مثل هذه الممارسات والانتهاكات والتأكيد على أن التنوع والاختلاف مصدر قوة للمجتمعات وليس سبباً للخلاف والتناحر وكشف أباطيل جماعات التطرف الديني والسياسي والتنظيمات الإرهابية التي تختفي خلف شعارات دينية لتنفيذ أجندات سياسية وتوسيع نطاق التوتر في منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره عبر الاستقطاب الديني وإذكاء النعرات العرقية والدينية التي باتت تهدد سلامة النسيج الاجتماعي التاريخي والديني للتعايش في كثير من الدول وتفتح الباب للمزيد من العنف والتطرف والإرهاب على غرار ما نراه من ممارسات للتنظيمات الإرهابية في مناطق متعددة من العالم وخاصة العراق وسورية، وما حصل من قبل من اعتداءات في أفريقيا الوسطى وبورما، والتي يظلم فيها الناس بسبب انتمائهم الديني أو العرقي.