النسخة الكاملة

الجهود الأمنية في مكافحة المخدرات تصطدم بقصور التشـريعات

الأحد-2015-11-29 12:05 am
جفرا نيوز - جفرا نيوز -  كتب: عمر محارمة
تضع الأرقام التي تتناول قضية المخدرات عشرات علامات الإستفهام حول نجاعة آليات مكافحة هذه الآفة الخطرة، فإنتشار هذا الوباء تضاعف عشر مرات خلال أقل من عقدين وفق الإحصاءات الرسمية الصادرة عن إدارة المعلومات الجنائية في مديرية الأمن العام.
وعلى الرغم من أن الأرقام قد تعني أيضا تطورا في عمل ونهج الأجهزة المعنية بمكافحة هذه الآفة بشكل ضاعف من قدرتها على ضبط وتتبع إنتشار المخدرات الا أن «عشرة اضعاف» رقم مهول يستوجب نهضة من المجتمع والدولة للتصدي لهذا الخطر.
معلومات غير رسمية وصلت لـ «الدستور» تثبت أن الجهود الأمنية تواجه عائقا مهما يحد من أثر عملها ويبدد في بعض الأحيان جهود منتسبيها وتضحياتهم التي وصلت الى إرتقاء عدد منهم كشهداء واجب، هذا العائق هو التشريعات.
المعلومات المتوفرة تقول أن 35% من المضبوطين في قضايا مخدرات، يعودون الى منازلهم قبل مرور شهر من القبض عليهم، وأن 40% منهم ينالون أحكام براءة أو أحكام مخففة ويعودون الى بيوتهم قبل إنقضاء عام على ضبطهم، فيما لا تتجاوز نسبة المدانين الذين يقضون أكثر من عام في مراكز الإصلاح والتأهيل 20%.
هذه الأرقام تثبت أن هناك خللا تشريعيا لا بد من الوقوف عنده، وأن التعديلات التي طالت قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والتي كان آخرها العام الماضي لم ترتق حتى حينه الى حجم المشكلة التي يواجهها الأردن، بل إن التعديل الاخير الذي أدخل العام الماضي كان تعديلا «تخفيفيا» وليس لتشديد العقوبات في هذه الجريمة التي لا تقل بأي حال خطورتها عن أبشع الجرائم وأعنفها كجرائم القتل او جرائم الإرهاب.
فهذا التعديل جاء لإعفاء مدمن المخدرات الذي يقوم بتسليم نفسه طواعية قبل أن يتم ضبطه من دعوى الحق العام، وإذا كان هذا النص يهدف الى تشجيع المتعاطين على اللجوء الى مراكز العلاج فهو في جانب منه شجع البعض على تجربة هذه الآفة والدخول الى عالمها، طالما أنه سيعفى من العقوبة في أول مرة سيتم ضبطه فيها.
بعض المسؤولين الأمنيين لا يخفي «تبرمه» من تسامح التشريعات، التي تقيد يد الجهاز القضائي وتمنعه من التشدد في الأحكام على متاجري ومروجي هذه السموم، وتبدد جهود الأجهزة الأمنية التي تواصل الليل بالنهار لملاحقة المجرمين ومنعهم من مواصلة جرائمهم.
في بعض الدول العربية تصل عقوبة تجار المخدرات الى الإعدام، وفي البعض الآخر من الدول تمنع التشريعات الأخذ بأية أسباب تقديرية مخففة لتخفيض عقوبة المضبوطين في تجارة وتهريب المخدرات بحيث لا تقل عقوبة الترويج والتهريب أو الإتجار عن الأشغال الشاقة لخمسة عشر عاما في حدها الأدنى.
مثل هذه العقوبات قد تكون رادعة وكافية في الأحكام النهائية ضد المروجين والمتاجرين لكنها بحاجة الى تعديلات اخرى في اصول المحاكمات الجزائية، لتضمينه أحكاما خاصة بقضايا المخدرات كما أن الحاجة ملحة وشديدة لإيجاد صيغة لتجريم مروجي المخدرات الذين ينتج عن أعمالهم جرائم أخرى يقوم بها المتعاطي.
فلا بد من إعتبار المروج شريكا في اية جريمة قتل أو سرقة أو إيذاء أو إغتصاب أو حتى حالة إنتحار ناتجة عن تعاطي المخدرات، وإيجاد آلية لتتبع هؤلاء المجرمين، وهنا لا بد من تعديل الفقرة القانونية التي لا تسمح للمحاكم الأخذ بأقوال المتهمين ضد بعضهم البعض.
فالكثير من المروجين والتجار ينالون أحكاما بالبراءة لأن البينة الوحيدة ضدهم هي شهادة متهم آخر اقر بأنه باعهم أو إشترى منهم، فحسب التعبير الدارج «شهادة متهم ضد متهم» لا تؤخذ بالمحاكم مما يؤدي الى إفلات الكثير من المروجين والتجار من العقاب.
مشكلة المخدرات حتى وإن لم تصل بعد الى حجم الظاهرة، مشكلة عميقة وقد تكون مستعصية الى حد ما، وحجم تجارتها قد يكون الأكبر عالميا وقد بدأت تشكل رقما هاما على المستوى المحلي، مما يعني أن تجارها اقتربوا او سيقتربون قريبا من تكوين مراكز نفوذ وتأثير وعندها سيكون إيجاد حل لهذه الآفة أصعب وأعقد.
قد لا يكون من المبالغة القول أن هذه الجريمة بما تشهده من تنام سريع ومخيف بحاجة الى وقفة رسمية ومجتمعية لا تقل حجما وصرامة عن الوقفة ضد التطرف والإرهاب، بل إن الخطر الخارجي الذي يشكله الإرهاب-بفضل حرفية قواتنا المسلحة وأجهزتنا الاستخبارية- قد يكون أقل وطأة من الخطر الداهم الذي يأكل المجتمع من الداخل.

الدستور

© جميع الحقوق محفوظة لوكالة جفرا نيوز 2024
تصميم و تطوير