الأردن والأقصى: مواقف سياسية ودبلوماسية ضعيفة،تنتقص من جهود الاعمار والدعم على الارض
المؤسسات الوقفية والثقافية والتعليمية شواهد قائمة على وفاء الاردن للمدينة المقدسة
ما انفقه الاردن في القدس منذ 1967، يفوق مجموع ما انفقه على عمارة المساجد وخدمتها في الاردن منذ عهد الامارة
كتب عمر محارمة
رغم الإقرار بضعف الرد الرسمي، السياسي والدبلوماسي على اعتداءات قوات الاحتلال المتكررة على المسجد الاقصى، إلا أن الحديث عن الوصاية الهاشمية على المقدسات هناك يستوجب النظر الى أكثر من ناحية وجال.
فالوصاية ليست سياسية فقط و الاخفاق في جانب لا يمنع من النظر الى النقاط الايجابية والانجازات المتحققة في جوانب أخرى، ففي القدس مدارس ومستشفيات ومراكز ثقافية ومؤسسات وقفية ليس لها إلا الأردن، وفي القدس مشاريع إعمار تتوالى عاما بعد عام وإعمار بعد إعمار تتحدث عن نفسها وتفرض حضورها في الزمان والمكان و تلجم الارقام فيها المتحدثين عن إهمال الاردن أو تقصيره في آداء واجبه المقدس الذي تعتز به كافة اركان الدولة ومواطنيها.
ما يزيد على مليار دينار دفعها الاردن منذ الاحتلال الاسرائيلي الغاشم لمدينة القدس للحفاظ على المؤسسات القائمة هناك وحماية التراث العربي والاسلامي الذي يواجه الة حرب ثقافية وسياسية وديموغرافية توظِف لها سلطات الاحتلال عشرات المليارات عدا عن التحشيد الثقافي والاعلامي والسياسي الهادف الى طمس الحقائق وفرض واقع جديد وهذا المبلغ في حقيقته يفوق مجموع ما انفقته الحكومات المتعاقبة على عمارة المساجد وخدمتها في الاردن منذ عهد الامارة.
الاردن الذي يقف وحيدا في هذه المعركة سجل انتصارات في عدة مواقع ومواقف تراوحت ما بين المقاومة الدبلوماسية للخروقات الاسرائيلية الى تبني قرارات دولية تسهم في كبح جماح عملية التهويد المستمرة منذ 70 عام وصولا الى اعمار المسجد ودعم صمود سكان المدينة العرب بشتى السبل والوسائل .
في القدس عشرات الاف العرب الذين يعترفون بأن صمودهم في منازلهم لم يكن ليتم لولا الدعم الاردني المستمر والمتواصل لهم، وفي القدس عشرات المؤسسات التعليمية والوقفية التي بذل المحتلون مليارات الدولارات لاغلاقها واستمرت رغم ذلك بفضل المتابعة الاردنية الحثيثة واليومية وتصديه عبر مختلف القنوات للمخططات الصهيونية.
السائر في دروب القدس العتيقة والمتجول في اسواق باب العامود او المار من باب الاسباط لا يستغرب سماع صدى الاغاني الوطنية الاردنية وهي تتردد في المكان فهناك مواطنون عرب يعرفون من معهم ولا يبخسون الناس مواقفهم.
اتفاق الوصاية الهاشمية على المقدسات المقدسية الذي وقع في اذار من العام الماضي بين الاردن والسلطة الوطنية الفلسطينية لم يكن سوى تجديد للعهد المبرم بين الهاشميين ومدينة القدس منذ 100 عام، حين أطلق الشريف الحسين بن علي من بطحاء مكة الاعمار الهاشمي الاول للمسجد الاقصى.
و منذ العام 1967 حين احتل العدو الإسرائيلي القدس، حافظ الأردن على مسؤولياته اتجاه الأوقاف المقدسية وبقي مصرا على مواصلة دوره فيها رغم صدور قرار فك الارتباط مع الضفة الغربية عام 1988 الذي جاء بضغط من منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها حينها كممثل للشعب الفلسطيني.
وقبل ذلك كان امير البلاد "عبدالله الاول" يستجيب بلا تردد لطلب رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في فلسطين الحاج أمين الحسيني الذي ارسل للامير عام 1924 طالبا منه أن يكون وصيا ومشرفا على عمارة المقدسات الإسلامية في القدس، وصيانته من الأخطار المتراكمة جراء طول الزمن وغياب الأسس الهندسية الصحيحة في الإعمارات السابقة ليتبرع بما يفوق امكانات البلاد حينها ويرسل الى اقرانه في الدول العربية والاسلامية طالبا منهم المساعدة.
فالدور الأردني الهاشمي في الحفاظ على المسجد الأقصى المبارك وحماية مقدساته وإعمارها وصيانتها مرّ بمراحل عديدة واستمر رغم الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة والمعقدة. لما للقدس من مكانة عند الاردنيين يتداخل فيها التاريخي بالوجداني والديني، والمبدئي بالسياسي، والاستراتيجي بالتكتيكي، والوطني بالقومي والاقليمي والدولي، والاسلامي بالمسيحي.
وهذه المواقف تعبر عن وحدة قضية القدس في ذهن القيادة السياسية الأردنية وصعوبة ان لم يكن استحالة الفصل بين ابعاد صورة القدس في ذهن القيادة السياسية الأردنية وسلوكها السياسي فالقضية الفلسطينية والقدس ليست بالنسبة للاردن قضية قومية او اسلامية فحسب بل هي قضية وطنية أردنية مرتبطة ارتباطا وثيقا بثقافة ووجدان الاردنيين مثلما هي مرتبطة بامنهم الوطني ومصالحهم العليا.
وقد حظيت القدس والمسجد الأقصى المبارك برعاية خاصة من الهاشميين من خلال أربعة إعمارات متميزة وعظيمة للمسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة في إطار عنايتهم الشاملة للمدينة المقدسة.
ويعزز الإعمار الهاشمي في المدينة الهوية العربية الإسلامية لها في شقيها العمراني بإعادة بناء واستدامة المقدسات فيها وتقديم الدعم المالي والمعنوي بما يسهم في الإبقاء على أهلها صامدين.
فكانت الصناديق الهاشمية ولجان الإعمار الموجهة لهذه الغاية دلائل على نهوض القيادة الهاشمية بدورها الديني والتاريخي في استكمال مسيرة العهد والولاء لمدينة المساجد.
وقد شمل الإعمار الهاشمي الرابع في عهد جلالة الملك عبد الله الثاني منبر المسجد الأقصى المبارك "منبر صلاح الدين" ، الحائط الجنوبي للمسجد الأقصى ، الحائط الشرقي للمسجد الأقصى المبارك ،مشروع نظام قضبان الشد والربط لجدران المصلى المرواني ، نظام الإنذار وإطفاء الحريق في المسجد الأقصى المبارك ، البنى والمرافق التحتية ، قبة الصخرة المشرفة ، مهد عيسى عليه السلام.
و لأن القدس مهوى أفئدة الملايين من البشر، مسلمين ومسيحيين فقد أولت الحكومة الأردنية جل عنايتها بالمقدسات المسيحية في مدينة القدس، جنبا الى جنب الاوقاف الاسلامية.
هذه الاعمارات وتلك العناية والرعاية لا يتوجب نسيانها او اغفالها عند كل محطة من محطات التهويد الذي تنتهجه السلطات المحتلة او عند كل محاولة اعتداء او اقتحام للمسجد الاقصى فعلى أهمية وجود موقف أكثر حزما وحسما و ضرورة تصعيد الخطوات الدبلوماسية لمواجهة الخروقات الاسرائيلية، يتوجب أن لا ننسى كل الجهود المبذولة والاموال التي انفقت وتنفق فليس
من المقبول ان "بخس مواقف الاردن".
# الدستور