ثلاثة تحديات أمام الأردن: تحركات المالكي ومبايعة الطحاوي للبغدادي فجأة و «غزة»
جفرا نيوز - لا يشذ الأردن سياسيا عن القاعدة العامة للنظام العربي الرسمي وهو يتعرض لأوسع مساحة «إحراج» شعبية وسياسية ينتجها العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ويفرض نمطا مستجدا من التحديات الإقليمية تتجاوز هذه المرة الإشكالات الداخلية. الأردن كغيره مقيد بإتفاقية وادي عربة وسلسلة طويلة من الإتفاقيات والتفاهمات «غير العلنية» مع الإدارة الأمريكية وإسرائيل. وعمان الحكومية كغيرها من عواصم ما يسمى بمعسكر» الإعتدال بالعربي» كان يمكن لها ان تسترخي قليلا لو لم تظهر المقاومة الفلسطينية قدرا من «التميز والصمود» وإقتصر الأمر على صيغة الضغط لوقف إطلاق النار أو لو لم يلجأ الإسرائيليون كالعادة للتصعيد العدواني الوحشي ويرتكبون المجازر. هذا التصعيد دفع الأردنيين لتجربة حظوظهم بخطوات سياسية ودبلوماسية محددة تنسجم مع مصالحهم في المجتمع الدولي ومع إستحقاقات كرسي رئاسة مجلس الأمن. لذلك إجتهدت الحكومة الأردنية بإتجاهين الأول دبلوماسي وعبر مجلس الأمن وإتصالات هنا وهناك، والثاني الإستناد مجددا على إسطوانة «العلاقة مع إسرائيل» بإعتبارها السبب الذي يبرر عدم طرد السفير او إغلاق السفارة وعلى أساس أن الأردن سيبقى الطرف الوحيد القادر على تقديم المساعدة لوجستيا لقطاع غزة في إطار الواجب الإنساني. من هنا تحركت النقابات المهنية وقررت المستشفيات الخاصة إستقبال جرحى العدوان مجانا وبدأت التحضيرات لتقديم مساعدات إغاثة مع الإنشغال الحصري داخليا بتأثيرات الحرب المفتوحة على أهل غزة حصريا على الوضع السياسي الأمني في الداخل للنسخة الأردنية من الأخوان المسلمين. إستراتيجيا توقيت الحرب الإسرائيلية «حساس للغاية» بالنسبة للأردنيين فهم منشغلون بالأزمة التي تدحرجت مؤخرا مع رئيس وزراء العراق نوري المالكي بعد إستضافة معارضين له ودخلوا في سياق الهوس على نحو مفاجيء بتأثيرات الخطر الجهادي «الداعشي» المحتمل من الواجهة الشرقية حيث العراق خلافا للهم السياسي والإقتصادي. إندلعت عمليا الحرب على غزة حصريا في الوقت الذي تنامت فيه المخاوف من داعش وسلبية حكومة المالكي تجاه المصالح الأردنية مما دفع عمان لزاوية خيار إستراتيجي أمني مباشر تمثل في إحتضان قادة وزعماء العشائر في مؤتمر عقد في عمان وأثار عاصفة من الجدل. المالكي مرر حادثة المؤتمر لخمسة أيام لكنه عاد وأعلن ان الخطوة «غير مقبولة» من الأردن وعدائية ثم طرح ورقة الهدف منها إرباك عمان وتمثلت في الإشارة إلى ان غالبية المؤتمرين مطلوبون للقضاء العراقي. حصل ذلك فيما أظهر وزير الخارجية ناصر جودة مهاراته وهو يحاول التهرب من «رعاية مؤتمر معارضي المالكي» قبل ان تبرز على سطح الأحداث ورقة موازية مفاجئة تماما لها علاقة بتقارير محلية تتحدث عن مجموعة سلفية جهادية نافذة في الأردن «بايعت» دولة الخلافة الداعشية في بغداد وهي مجموعة يقودها زعيم التيار السلفي الجهادي الشيخ أبومحمد الطحاوي. الطحاوي خرج منذ أيام فقط من السجن وقضيته لم تفصل بعد وتهمته التجمهر ويمكن ان تزيد قريبا بعنوان «الإرهاب» لكن مبايعته العلنية لأبو بكر البغدادي تعني إنقسامات حادة في صف السلفيين الأردنيين وفي توقيت حرج يفترض ان ينشغل فيه الجميع بأحداث غزة مع ملاحظة تسريب جديد لداعش عبر شريط فيديو «يجامل» ضحايا العدوان الإسرائيلي لكنه يركز على «إستهدافه قريبا من يحرس إسرائيل وهو النظام الأردني». هذه التلاحقات حصلت في الوقت الذي فرضت فيه حرب إسرائيل الجديدة إيقاعا مستحدثا على الجميع في المنطقة والعالم. وهي إنشغالات تركت الدبلوماسية الأردنية «بعيدا تماما» عن مجريات الحدث الفلسطيني وعن كل إتصالات وحزمة التهدئة والتقاطعات التي غرقت بها المنطقة فلم توجه اي دعوة لعمان للمشاركة في أي حوار إقليمي أو دولي له علاقة بالحرب على غزة لا في الدوحة ولا في القاهرة مما أبقى الأردن «صامتا» إلى حد بعيد إعلاميا وغير فعال «إجرائيا» ومتوتر أمنيا وشعبيا. وجهة نظر عمان أنها لا تريد التورط في أي تفاصيل لها علاقة بقطاع غزة لكن إنطباع مسؤولين بارزين في غرفة القرار أن الجميع متورط من حيث المبدأ وبصرف النظر عن إرادته وهو ما يلمح له رئيس مجلس النواب المهندس عاطف طراونة وهو يصر على وصف إسرائيل انها «دولة إرهاب» وهو أقسى توصيف يخرج من شخصية وطنية رفيعة في الدولة في التعاطي مع العدوان الإسرائيلي. غياب صورة وصوت المبادرات المعتادة في هذا التوقيت الحرج والضعف الشديد في إظهار موقف يخاطب الخارج او الداخل أو حتى إسرائيل حكوميا وإستشاريا أبقى سياسة الحكومة موطنا لإنتقادات حادة وجهها حتى المتقاعدون العسكريون وهم يطالبون بإلغاء إتفاقية وادي عربة. في ميزان الحسابات الإستراتيجية لا يمكن القول أن مصالح الحكومة الأردنية ترتاح بعد «إنتصارات حاسمة» لحركة حماس تحديدا خوفا من تبعات التكييش السياسي. لكن في الحسابات الأعمق «فاتورة» سيمفونية العنف التي تعزفها إسرائيل بوحشية إذا طالت قليلا وبدون حسم او معالجة دولية سياسية لا يمكن إحتمالها أردنيا بسبب ضغطها العنيف اولا على الشريك الفلسطيني ممثلا بمحمود عباس. وثانيا على الشارع المتهيج والذي يظهر هوسا شديدا في متابعة كل تفاصيل الجرائم الإسرائيلية المستجدة. بهذا المعنى تصبح خيارات اللاعب الأردني الإستراتيجية ضيقة وهوامش المناورة متقلصة فإنتصار حماس مشكلة وهزيمتها «صداع» وطفو الأخوان المسلمين على السطح أزمة وغرقهم سياسيا إشكالية أمنية إجتماعية معقدة خصوصا وان الدفاع عن «العلاقات مع إسرائيل» يزداد صعوبة في الوقت الذي يتعاظم فيه إيقاع المطالبة بطرد سفير تل أبيب وإغلاق سفارته قبل المطالبة بطبيعة الحال بإجراءات «أكثر جدية» لوقف العدوان برمته. في قياسات الرأي العام الداخلي والنخب المتحدثة موقف الأردن لا يختلف كثيرا عن الموقف السعودي والإماراتي وإن تباين مع الموقف المصري قليلا.. بوضوح شديد لا تبذل الحكومة ولا رموز الحكم جهدا ملحوظا لإنتاج إنطباعات معاكسة بسبب عدم وجود «تصور» عن نتائج وتداعيات ما سيحصل في غزة. وهنا تحديدا تكمن أزمة القرار الأردني و»هامشية» الدور الرسمي وقصور الموقف الحكومي كما تكمن أزمة القصور الإستراتيجي المتأثرة بعدم وجود «طبقة إدارة عليا تتميز بالكفاءة» في مستوى صناعة القرار إلا في المستوى الأمني فقط.القدس العربي