البطش الإسرائيلي ينعش "داعش" الفلسطيني

جفرا نيوز- دخل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" واجهة المشهد الفلسطيني مؤخراً بقوة، ما دفع مسؤولين فلسطينيين للتحذير من "امتداده بأسماء أخرى قائمة ولكنها ضعيفة"، إزاء بيئة حاضنة من العدوان الإسرائيلي وانسداد الأفق السياسي وتعثر خطوات المصالحة. وبرز "داعش" في أفق الوطن المحتل منذ تبنيه عملية "اختطاف" المستوطنين الثلاثة، المفقودين منذ 12 حزيران (يونيو) الحالي، معلناً عن وجوده في الساحة الفلسطينية، فيما كان قبلها قد أشمل فلسطين ضمن خريطته الافتراضية لحدود دولته الإسلامية المنشودة. وقد أحاطت الشكوك بمصداقية البيان، غير المسبوق، المنسوب للتنظيم، والذي نشره موقع "والا" الإسرائيلي بعد ساعات قليلة من حادثة "اختفاء" الجنود، بدون أن يأخذه الاحتلال على محمل الجدّية مقابل المضيّ في مزاعم مسؤولية "حماس" عنها، لتحقيق أهداف سياسية وراء تصعيد عدوانه ضد الشعب الفلسطيني. إلا أن فلسطينيين توقفوا عند إيراد البيان عملية "الاختطاف" ضمن سياق "رد أوليّ على اغتيال الفلسطينيين الثلاثة الذين استشهدوا بنيران الاحتلال في مواجهات وقعت قبل أشهر في مدينة الخليل، وفي إطار السعي لتحرير الأسرى من سجون الاحتلال"، مما يتساوق مع الأحداث والتطورات الجارية في المنطقة. وقد لا يستقيم الحال في أجزاء الوطن المحتل، إذ يجدّ "داعش" حضوره القويّ في قطاع غزة بأوجه وأسماء أخرى تتصدرها الجماعات السلفية الجهادية ذات الانتشار الواسع في القطاع، والتي أعلنت، في 12 شباط (فبراير) الماضي، عن مناصرة تنظيم "داعش" ومبايعة "أبو بكر الحسيني القريشي" (أبو بكر البغدادي) الذي يسمى نفسه قائد الدولة الإسلامية في العراق والشام. ورغم ما أصاب السلفية الجهادية من "انتكاسة" بسبب الملاحقة الأمنية "لحماس" وزجّ عناصرها في سجون غزة، مما أدى إلى انكماش قاعدتها الميدانية، التي يقدرها البعض بالمئات، إلا أن ظهور "داعش" على مسرح الأحداث مؤخراً، في العراق بعد سورية، أنعش الجهاديين، الذين يوصفون بأنهم "الوجه الآخر من "داعش"، وضخ الحياة في تواجدهم المسلح في جنوب القطاع، لاسيما في رفح، امتداداً نحو سيناء و"تشبيكاً" مع "أنصار بيت المقدس"، وفق خبير الحركات الإسلامية في غزة محمد العمور. أما فلسطين المحتلة العام 1948، فتخلو من "تنظيم "داعش" و"القاعدة"، ومن أيّ وجود للفكر المتطرف"، بحسب نائب رئيس القائمة العربية الموحدة في فلسطين 1948، الذراع السياسي للحركة الإسلامية، الشيخ سعيد الخرومي. وقال، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "هذا الفكر المتطرف غير موجود في أراضي 1948 باعتباره غريباً على الشعب الفلسطيني، ولا توجد أي مظاهر دالة على حضوره في المرحلة القادمة على الأقل". ولفت إلى "غلبة الطابع الوسطي المعتدل على التيارات والأحزاب الإسلامية، فيما يشارك منهم في الأطر السياسية المختلفة، مثل البلدية و"الكنيست" الإسرائيلي". وشكك في رواية تبني "داعش" لعملية "اختفاء" المستوطنين الثلاثة، وسط "غموض يكتنف حيثياتها عما إذا كانت "اختطافاً" أم "جنائية" أم "اختفاءً" كما حدث في حالات سابقة". ولم يستبعد "لجوء جماعات يمينية يهودية متطرفة إلى ترويج مزاعم وجود تنظيميات متطرفة في الداخل الفلسطيني، بما يتساوق مع روايتهم المزعومة حول الإرهاب الفلسطيني". يد الاحتلال في التخريب في المقابل؛ يشكك فلسطينيون في وجود تنظيم "داعش" في الضفة الغربية المحتلة، ولكنهم يجدون امتداداً فكرياً وتنظيمياً له في جماعات سلفية جهادية حتى وإن كان حضورها الراهن ضعيفاً. بينما قد تيسّر البيئة المحيطة والعوامل المصاحبة انتقال عناصر من السلفية التقليدية، المنتشرة قاعدياً في الضفة والمهادنة للسلطة الفلسطينية، إلى مربع التطرف تحت ما يسمى "الجهاد"، أسوة بما حدث مع تناسل جماعات متطرفة من رحم حركة "حماس". ويخضع حضور التيار الإسلامي في الضفة الغربية إلى ضوابط التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة والاحتلال، بمستلزمات الملاحقة والاعتقال. ولا يستبعد الداعية الإسلامي الشيخ سعد شرف "ظهورا قويّا للسلفيين الجهاديين في الضفة الغربية خلال الفترة القادمة، إزاء التفاعلات المرتبطة بحراك التغيير العربي، وتصاعد العدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني". واعتبر الشيخ شرف، وهو أحد أبرز مشايخ الطريقة القادرية الصوفية بالضفة، في حديثه لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، أن ذلك "قد يسمح بإيجاد بيئة مجتمعية حاضنة لهذا الفكر، ويقدم الأسباب الكفيلة لانتقال السلفية الدعوية إلى مربع الجهادية". ولفت إلى "الحضور القويّ للسلفية التقليدية الدعوية في الضفة، عبر الجمعيات الخيرية والأندية الاجتماعية وتوزيع المساعدات المالية"، حيث "أتاح وقوفها الداعم خلف السلطة مساحة معتبرة من الحركة وإقامة الأنشطة المتنوعة". ولا يخفي اليد الخارجية المغذيّة، من خلال "السعي الإسرائيلي لدعم تواجد السلفية الجهادية في الساحة الفلسطينية لأغراض إحراج السلطة وإضعافها، بدون أن يعني تخوين تلك الجماعات، وإنما يعمد الاحتلال إلى إعطاء مساحة أكبر لتحركها لتحقيق مصلحته". ولكن معادلة "الولاء/ الرعاية" لم تغب عن محددات العلاقة بين السلفية والسلطة، حتى مع مسلك الأخيرة "لاحتواء" تنامي دور "حماس"، بدعم السلفيين عبر إعطاء التراخيص لجمعيات أقاموها لنشر الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالوسائل السلمية. إلا أنها أدركت خطأ النهج وتراجعت، وسط ازدياد نشاطهم واتساع بؤرة عملهم في الأراضي المحتلة، وتبني الشق الجهادي منهم العمل المسلح طريقاً لإعلان دولة الخلافة، باسم "التكفير والتغيير الجذري ورفض الديمقراطية كبديل عن الحكم الإسلامي". الوجه الآخر لـ"داعش" من جهتها، تؤكد "حماس" خلو قطاع غزة من أية عناصر "متطرفة" ذات علاقة بتنظيم القاعدة أو "داعش"، وفق القيادي في الحركة صلاح البردويل، ومن ثم نفي قيادات في القطاع علاقتها بالتنظيم، خلافاً لمزاعم تقرير أمريكي تداولته وسائل الإعلام مؤخراً حول صلة "شخصيات عربية وإسلامية متهمة بدعم التنظيم". إلا أن "إطلاق الصواريخ من قطاع غزة، كما حدث مؤخراً، في ظل الهدنة بين فصائل المقاومة والاحتلال، يرجع إلى تنظيمات سلفية جهادية ليست بعيدة عن فكر "داعش"، بحسب العمور. وقال العمور، وهو رئيس لجنة الإفتاء في جامعة الأقصى بغزة، في حديثه لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن "هؤلاء أصحاب فكر ظلامي يشكل خطراً ليس فقط على فلسطين والمنطقة، وإنما على الحضارة الإنسانية برمتها". وأضاف أن "الجماعات السلفية الجهادية، مثل جلجلت، سيصبح صوتها الأعلى في قطاع غزة، وسط ازدياد الفقر والبطالة والتدهور الاقتصادي والحصار الإسرائيلي". واعتبر أن "تلك الجماعات خطيرة لأنها مسلحة، تلجأ للتكفير واستباحة الدم الفلسطيني باسم "الحاكمية لله" وإقامة الدولة الإسلامية"، لافتاً إلى "تمركزهم، بالمئات، في المنطقة الجنوبية من غزة، بخاصة رفح، وامتداداً لسيناء في نظيرهم "مجموعة بيت المقدس". وأوضح أن "مرجعيتها الفكرية الأساسّ تتمثل في أسامة بن لادن، وزعيمهم الروحيّ، بعد غيابه، في المقدسيّ الذي يقدّمونه على الظواهريّ". علاقة مأزومة وقد تأزمت علاقة السلفية الجهادية و"حماس" في غزة منذ ما اعتقده السلفيون "حراماً شرعاً"، بخوض الحركة انتخابات المجلس التشريعي في العام 2006، وتشكيلها حكومة لم يعترفوا بها يوماً "لكونها لا تحكم بتعاليم الشريعة الإسلامية". وقد كان ذلك بمثابة مفصل تاريخي لمسار سلفي جهادي انطلق منذاك رسمياً بكوادر انسحب بعضها من صفوف حماس والجهاد الإسلامي، لتكوين جماعات متعددة، أبرزها "أنصار السنة" المعروفة "بجلجلت"، و"التوحيد والجهاد"، و"جيش الإسلام" و"جند أنصار الله"، وغيرها. وتحتكم تلك الجماعات إلى رؤية متشددة أختبرت عملياً حينما نصّب البعض نفسه "هِدائياً"، لإعمال ما عدّوه "واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في المجتمع الغزيّ، محاكاة لأمثولتهم السعودية التي تلقى كثيرون منهم التعليم فيها وعملوا في رحابها، فنفذوا عمليات تخريبية من أعمال قتل وحرق مؤسسات رسمية ومحال تجارية ومقاهي إنترنت وصالونات للنساء،.. إلخ. فيما سمح تبني مفهوم "الجهاد العالمي والإنساني" الذي يتخطى الحدود الجغرافية صوب أي بقعة إسلامية، بامتدادات تنظيمية فكرية لتلك الجماعات في فضاءات حركية متطرفة خارج الوطن المحتل، مثل تنظيم "القاعدة"، مثلما أوجدت لها صلات في سيناء. أخذ النشاط السلفي بعده الأقصى بالنسبة إلى "حماس"، حينما أعلن زعيم جماعة "جند أنصار الله" عبداللطيف موسى من على منبر مسجد ابن تيمية (في 14/8/2009) "قيام إمارة إسلامية في كنف القدس انطلاقاً من رفح"، فما كان من "حماس" إلا استلال "المقاربة الأمنية" لمعالجة الأزمة، مما أدى إلى وقوع اشتباكات دامية بين الجانبين في اليوم التالي، أسفرت عن مقتل الشيخ موسى و28 آخرين. وتكررت الواقعة بنفس المعالجة مع جماعة "جيش الإسلام"، أحد أبرز الجماعات السلفية المقربة من "حماس"، والتي شاركت عناصرها مع الحركة في تنفيذ عملية اسر جندي الاحتلال جلعاد شاليت في منتصف العام 2006، فتم مهاجمتها بعملية مسلحة أتت على معظم أفراد عائلة دغمش المؤسسة. وتحولت ما اعتقدته "حماس" مجرد "مشكلة سلفية" يتم وأدها "أمنياً"، إلى موئل يهدد الاستقرار، لاسيما بعد تأطير نفسها في تحالف وحدوي تعنوّن "بمجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس" الذي خرج إلى النور من داخل أقبية سجون غزة على يد بعض قادتها المعتقلين، فيما أحدث قتل المتضامن الإيطالي فيتوريو أريغوني، في العام 2011، صدمة داخل المجتمع الغزّيّ. وتزامن ذلك مع عدم اعترافها بحكم حماس وإسلاميته، والمطالبة بتحرير كامل فلسطين التاريخية، والنظر إلى حراك التغيير العربي، الذي انتعشت في زمنها، سبيلاً لتغيير الأنظمة القائمة والإتيان بقيادة تقود عملية تحرير فلسطين وفق منهج الإسلام توطئة لإقامة الدولة الإسلامية، التي ترتضي تأسيسها ابتداءً من غزة. وتنطلق الجماعات الجهادية السلفية، التي خرجت في غالبيتها من رحمّ التيار الإخواني القطبي (نسبة إلى سيد قطب) مع الاختلاف حول المفاهيم والأولويات الحركية للطبيق، من التزام التنزيل الحرفي للنص، ما أنتج فكراً يأخذ بالتكفير و"الحاكمية لله" وإعادة أسلمة المجتمع والدولة بأسلوب العنف، بغض النظر عن الدين الذي يعتنقه السكان.