المواجهة في العراق تستدعي المشهد السوري وتجهز على نظام المحاصصة
جفرا نيوز- أسقط الهجوم المباغت للمجموعات المسلحة في شمال العراق نظام المحاصصة الطائفية والعرقية، بعدما انتزع من الجيش مناطق شاسعة ذات غالبية سنيّة، حسب رأي خبراء ومحللين أردنيين كانت لديهم قراءات متباينة لسيناريوهات المستقبل في البلد المأزوم.
"فمعركة بغداد المؤجلة حان أوانها"، حسبما يرى المحلل السياسي محمد أبو رمان، الذي يعتبر أن العراق "ذاهب في استنساخ المشهد السوري" بينما يرجح المحلل السياسي عريب الرنتاوي "ألا تقع معركة بغداد أصلا، بعد أن استوعب نظام نوري المالكي صدمة استسلام الجيش في محافظتي نينوى وصلاح الدين، وبدأ في تعبئة طائفية وعملياتية تستهدف استعادة مواقعه في المناطق التي طرد منها".
وبينما يستبعد الرنتاوي "عنصر المباغتة في بغداد" يرى اللواء المتقاعد محمود ارديسات أنّ محاولة الخوض في قراءة تكتيك المهاجمين محفوفة بالزلل، نظرا لسيولة الوضع الميداني وضبابية الموقف في السيطرة على الأرض لدى طرفي الصراع".
"ولأنّ الأنبار لم تنضم إلى ركب المنتفضين عسكريا على حكومة المالكي، التي تستقطب إلى جانبها عشائر كثيرة"، يُقلل الرنتاوي من احتمال الحسم العسكري في العاصمة، لافتا الى أن "الأمور قد تتجه الى حالة الركود لفترة قد تطول كثيرا". وأضاف الرنتاوي أن بغداد لن تشهد ما شهدته الموصل التي "حدث فيها ما يذكر بتسليم بغداد في العام 2003 للاحتلال الأميركي".
الرنتاوي وأبو رمان وارديسات ومعهم خبير الحركات السلفية حسن ابو هنيّة يرون "أن اتساع مروحة الرفض للنظام الطائفي استتبع هذا الرد القوي، الذي كان نتاجا لظروف موضوعية بفعل السياسات الهوياتية الطائفية التي تبناها المالكي منذ سنوات".
بيد أنّ ارديسات يؤكد أنّ "النظام الطائفي ليس مرتبطا بنوري المالكي فقط، إذ أنه أنتج طبقة عريضة من المستفيدين الذين يرتبطون به حيويا ومصلحيا". وقال إن رحيل المالكي عن المشهد لا يعني أن النظام الطائفي سقط" فهو منظومة محمية بمصالح محلية عراقية وامتدادات إيرانية مهيمنة". أبو رمّان يرجح أن "يندلع صراع مرير على بغداد بين القوى السياسية السنيّة والشيعية ما قد يؤدي الى اقتسامها"، لافتا الى ان الحكومة الطائفية عملت انتزاع مناطق سنيّة يجد أهلها في الظروف الحالية فرصة لاستعادتها.
ويرى ابو هنيّة أن تنظيم "داعش" أكد قدرته على استعادة مكانته التي كان عليها في العام 2006 عندما أعلن عن تأسيس "دولة العراق الإسلامية" وقد تمكنت آنذاك الولايات المتحدة من طرد التنظيم وتحجيم نفوذه عبر استراتيجية "التدفق" التي نفذها بترايوس من خلال زيادة عدد القوات الأميركية والتنسيق مع "الصحوات" ومجالس "الإسناد" المحلية.
ويستبعد الرنتاوي أنّ تكون الحاضنة الشعبية في المناطق السنيّة خالصة لـ"داعش"، التي يرى أبو رمّان أنّها ستفجر صراعا مع شركائها في مقاتلة جيش المالكي وحكومته، لافتا الى أنّ مواجهة قادمة بين هذا التنظيم من جهة و تنظيمات أخرى مثل "الطائفة المنصورة" و "جيش المجاهدين" و"جيش الطريقة النقشبندية" ومقاتلي العشائر وضباط الجيش السابق وافراده وأنصار حزب البعث. وأكدّ أبو رمان أن "استدعاء السيناريو السوري إلى العراق سيقوم على التقسيم الطائفي الواقعي المستند إلى الدم والنار".
ارديسات والرنتاوي يلفتان إلى أنّ واقعا جديدا يفرض نفسه على مجمل الصراع، بعد دخول حلفاء المالكي على الخط وتوافد خبرائهم الى ميدان القتال، فـ"اميركا وايران لن تستسلما لواقع يفرضه اعداء المالكي سواء كان (داعش) ومن ينضوي تحت رايتها، أو حلفاء آخرين مثل جيش الطريقة النقشبندية وضباط الجيش السابق ومقاتلي العشائر".
على أن الرنتاوي يذهب الى ان واشنطن تستغل ازمة حكم المالكي لممارسة ضغوط شديدة عليه لمغادرة المشهد نهائيا والتأسيس لنظام أقل طائفية واكثر استيعابا للمكونات العرقية الأخرى، على الرغم من نظام المكونات سقط نهائيا والى غير رجعة".
ويرجح الرنتاوي وارديسات أن ينتقل ملف ازمة النظام الطائفي في اطاره السياسي الى الفرقاء الاقليميين والدوليين، وذلك بعد أن يهدأ غبار المعارك "سعياً لبناء دولة تختلف عما هو قائم حاليا، لكنها لن تكون العراق العربي، ما يبقي اسباب الصراع قائمة".
وأمس اكد الرئيس الايراني حسن روحاني، ان طهران لا تستبعد تعاونا مع الولايات المتحدة اذا قررت واشنطن التدخل ضد من وصفهم بالجهاديين.
وقال روحاني في مؤتمر صحفي "اذا رأينا ان الولايات المتحدة تتحرك ضد المجموعات الارهابية، فعندئذ يمكننا التفكير" في تعاون. واضاف "لكن حتى الآن لم نر اي تحرك من جانبهم" بينما استبعد الرئيس الاميركي باراك اوباما ارسال قوات لوقف تقدم الجهاديين في العراق.
الرنتاوي لاحظ ان "داعش" صار جارا لدول عديدة، متمتعا بدينامية أسست "لهلال جهادي يطل على الاردن ويفرض عليه تفكيرا مغايرا في تحصين جبهته الداخلية".
وبعد أن يؤكد أن زخم دخول اعضاء الجيش السابق على خط المواجهة وبروز دور عزت الدوري نائب الرئيس الراحل صدام حسين وجيش الطريقة النقشبندية منح الصراع بعدا وطنيا تحرريا، لا يرى ارديسات أي امكانية لعودة اي من رجالات النظام السابق.
ونشرت مواقع اخبارية عديدة امس تسجيلا لعزت الدوري دعا فيه المقاتلين الى مواصلة القتال حتى اسقاط النظام الطائفي واستعادة العراق لعافيته، متحدثا عن بناء دولة ديمقراطية لا اقصاء فيها ولا شمولية، وتشمل جميع ابناء العراق دون تمييز.
ابو هنية وهو يعيد قراءة المشهد العراقي يتوقف عند أسباب تمدد "داعش" التي تحولت من العالم الافترضي إلى الواقعي عبر سياسات المالكي الطائفية الفجّة، فيستحضر لحظة اقتحام قوات المالكي خيم المعتصمين على الطريق الدولي الرابط بين بغداد وعمان ودمشق، واعتقال النائب أحمد العلواني، وتفجر الأوضاع في الأنبار وسيطرة قوات العشائر على الفلوجة والرمادي، وتشكيل مجالس عسكرية، بمشاركة بقايا جماعات المقاومة العراقية أمثال: "الجيش الاسلامي"، و"حماس العراق"، و"كتائب ثورة العشرين"، و"جيش المجاهدين"، و"أنصار السنّة"، وبعض أفراد الجيش العراقي السابق.
ويرى أنّ "ما يحدث من توسع نفوذ داعش أبعد من موضوع القاعدة رغم نفوذها وانتشارها وتطورها، ويقع في إطار اللعبة الاستراتيجية الكبرى التي تسعى إلى الحفاظ على المصالح الجيوسياسية من خلال توطيد العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها من دكتاتوريي المنطقة، وخصوصا عقب الصفقة بين إيران والولايات المتحدة والغرب حول الملف النووي، ومن ضمنها صفقة الكيماوي مع نظام بشار الأسد، وفي العراق مع دكتاتورية المالكي".
ويخلص ابو هنية الى أنه "بهذا يكتمل عقد الاتلاف الهوياتي الشيعي المتحد، وتصبح دولة داعش ملاذا وممثلا بائسا للشعوب التي تنتمي إلى الفضاء المذهبي السني الحزين الذي يتعرض للمحاصرة والتضييق والتهميش من طرف دكتاتوريه الداخليين قبل أعدائه الخارجيين تحت وطأة سياسات "الحرب على الإرهاب" التي أصبحت وصمة خاصة بالسنة في طول العالم وعرضه".