التداعيات العالمية للأزمة الأوكرانية


جفرا نيوز- من الممكن أن يجلب الصراع الدموي الدائر في أوكرانيا موجة أخرى من المواجهة بين الغرب وروسيا. وفي الأثناء، تظل مسألة الهيمنة في أوروبا في وضع خطر على رقعة الشطرنج الجيوسياسية، ومن الممكن أن تنزلق أوكرانيا في الغضون إلى أتون حرب أهلية. يظل الاقتباس الذي ظهر في "دير شبيغل" قبل 33 عاماً جديراً بالانتباه، وهو ما يزال موضوعاً بارزاً على نحو ملحوظ. كان وزير الدفاع الأميركي كاسبار واينبرغر قد قال في مقابلة مع دير شبيغل في أيلول (سبتمبر) من العام 1981: "يجب علينا التأكد من أن هذه الإمبراطورية السوفياتية، عندما تنقسم إرباً بسبب التناقضات الداخلية، إنما تفعل ذلك بتذمر وليس بفرقعة". هذا الأسبوع، في أوكرانيا التي تشكل واحدة من المناطق المحورية لتلك الامبراطورية السابقة، تبدو الصورة أشبه ما تكون بـ"فرقعة". وقد شهد يوم الخميس الماضي في كييف عنفاً دموياً أدى إلى إزهاق أرواح العشرات من المواطنين، في غمرة إطلاق نار واشتباكات وحشية في ميدان الاستقلال. كما أصيب المئات من المحتجين إصابات خطيرة. وتفجر العنف غداة معارك مشابهة دارت يوم الثلاثاء، لتؤشر على بداية ما يمكن أن يكون صراعاً متمدداً ودرامياً حول مستقبل البلد. يدرك بعض أولئك الذين سافروا إلى كييف للاطلاع على الحالة أولاً بأول في الأسابيع الأخيرة تماما ما هو الذي يشكل "الفرقعة". على سبيل المثال، هناك السيناتور الأميركي جون مكين (77 عاماً)، مخضرم فيتنام الذي أسقطت طائرته في العام 1967 وأمضى أكثر من عامين أسير حرب. وكان قد وقف في كانون الأول (ديسمبر) الماضي على مسرح في ميدان الاستقلال في كييف وهتف قائلاً: "يا شعب أوكرانيا، هذه لحظتكم! إن العالم الحر يقف معكم! وأميركا تقف معكم!". بعبارات أخرى، عادت الحرب الباردة، وعادت موسكو مرة أخرى لتكون الخصم. لكن الفارق الوحيد هو أن أسلحة الحرب اختلفت، ولم تعد تتلخص فقط في خطر اتفاقية الترابط مع الاتحاد الأوروبي. كما لم يعد مستقبل الرئيس فكتور يانوكوفيتش، الرجل الذي تلاحقه إشاعات الفساد، هو موضع التركيز. بدلاً من ذلك، احتلت الجيوسياسات موقع المسرح المركزي، وسيكون السؤال حول أي مراكز القوى في أوروبا ومنطقة يوراسيا هي المهيمنة في المستقبل طاغياً. وكان مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبغنيو بريجنسكي قد قارن ذات مرة هذه المنطقة برقعة شطرنج. ويضم اللاعبون، كما كان الأمر دائماً، الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والناتو. موسكو في وضع "كش ملك" إنها لعبة شطرنج في حقل ألغام. أما كم أصبح البلد الذي يدعى أوكرانيا متفجراً، فكان ذلك واضحاً في مقابلة خلفية أجريت مع رئيس الوزراء الروسي السابق ييغور غايداز، وهو مصلح ليبرالي وصديق للغرب في العام 2008 قبل عام من وفاته. إن أولئك الذين يرغبون في ضم أوكرانيا إلى عضوية الناتو، كما كان قصد الرئيس الأوكراني في حينه فكتور يوشنكو، كانوا قد أغفلوا حقيقة أن ذلك سيضع روسيا في موقف دفاعي صعب، كما قال؟ وأضاف أنه يجب التخلي عن هذا الجهد. كان بريجنسكي ليحب أن يرى موسكو في موضع "كش ملك". وفي كتابه (رقعة الشطرنج الكبرى) يكتب أن روسيا كانت لتشكل، من دون أوكرانيا، "دولة إمبريالية آسيوية في الغالب الأعم" تحت خطر جرها إلى الصراعات في آسيا الوسطى. لكن موسكو لو استطاعت السيطرة على أوكرانيا ومواردها، كما كتب بريجنسي، فإن الاتحاد الروسي سيكون "دولة إمبريالية قوية". ورأى خطراً في احتمال حدوث "تواطؤ ألماني-روسي"، ومن احتمال التوصل إلى اتفاقية بين أوروبا وروسيا بهدف طرد أميركا من المنطقة. بشكل أساسي، ما تزال وجهة نظر بريجنسكي تشكل دليلاً هادياً للاستراتيجية الأميركية حتى يومنا هذا. فالولايات المتحدة تريد إبقاء روسيا بعيدة قدر الإمكان. وإذا انخرط الأوروبيون في أوكرانيا وألحقوا الضرر بعلاقاتهم مع موسكو، فإن ذلك سيكون أمراً ترتاح إليه واشنطن. في الحقيقة، تشكل مقولة نائبة وزير الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند "تبا للاتحاد الأوروبي" زلة لسان يصعب النظر اليها على أنها غلطة، وإنما هي تعبير منطقي -ولو أنه سوقي بعض الشيء- عن الموقف الجيوسياسي لأميركا. ضعف في الاستراتيجية الأميركية مع ذلك، هناك ضعف في هذه الاستراتيجية. فعلى عكس جمهوريات البلطيق السوفياتية السابقة بعدد سكانها الصغير، سيكون من الصعب دمج أوكرانيا التي يصل عدد سكانها 45 مليون نسمة بالطريقة نفسها. كما أن البلد مقسم بشكل معمق، وتعد المناطق الضعيفة اقتصاديا في الغرب معاقل للقوميين، بينما تتمركز شركات أوكرانيا الرئسية، مثل مصانع الصلب وموانئ بناء السفن والتوربينات في الشرق، وهي تركز على السوق الروسية. تشكل اللغة الروسية اللغة السائدة في الاستخدام اليومي في العاصمة كييف. ويعيش ملايين الروس في الجزء الشرقي من البلد وفي القرم. وكانت السيادة على شبه جزيرة البحر الأسود قد حولت في بادئ الأمر إلى أوكرانيا في العام 1954 ضد إرادة الشعب الذي يعيش هناك. وفي الحقيقة، من الممكن أن تصبح منطقة القرم النقطة الساخنة التالية في الصراع. ويتمركز أسطول روسيا في البحر الأسود في سيفاستوبول التي تعد مصدر توتر بالنسبة للقوميين الأوكرانيين وأصدقاء الولايات المتحدة. في إحدى المناسبات في كييف في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وصف السفير الأميركي جيوفري بيات "عدداً كبيراً من الفرص" التي ستنجم في حال اصطفت أوكرانيا مع الولايات المتحدة، وقال: "إننا نقف مستعدين لدعمكم أيها الشعب الأوكراني بينما تجدون مكانكم في أوروبا". وعود رائعة بشكل خطير تبدو الوعود البراقة على ذلك النحو، والتي تبدو مثل شيكات على بياض، وأنها تنطوي على دفع واحد من بلدان أوروبا الأكثر فقرا للانسياق إلى أتون حرب أهلية. إنها ليست مجرد جهاز حكومة مشكوك في فساده هو الذي يقف على شفير التقسيم في أوكرانيا -إن أسس بلد تبقى حدوده الراهنة قابلة للاستدامة بصعوبة عند هذه النقطة تبدو مهزوزة أيضاً. وتزيد التكتيكات التي يطبقها نظام يانكوفيتش، والتي تتناوب بين الضربات الوحشية والتراجع المؤقت، من تطرف حركة الاحتجاج فقط. عندما يكون قادة ميدان قادرون على أي شيء هم الذين يضعون القانون، تبدأ دينامية الانفصال كما شاهدنا سابقاً في القوقاز. وكانت رئاسة المجلس الأعلى في القرم قد هددت أصلاً بأنها ربما تحث السكان على "الدفاع عن السلام المدني" في شبه الجزيرة. حتى الآن، لم يسع الكرملين إلى تشجيع المشاعر الانفصالية في شرقي وجنوبي أوكرانيا، ولا يبدو أن فلاديمير بوتين ونظام السلطة لديه مهتمان باحتمال اندلاع حرب أهلية في حديقته الخلفية. مع ذلك، ثمة احتمال في اندلاع هذه الحرب، حتى لو كانت موسكو لا تريد ذلك. ويعرف أولئك الذين يعرفون أوكرانيا أن القوميين المتشددين في غرب البلد قد ذهبوا مرة تلو الأخرى إلى خوض معارك لا يستطيعون كسبها. وبعد الحرب العالمية الأولى، شن جيش أوكرانيا المتمرد حرباً حزبية بلا معنى لخمسة أعوام ضد الدولة السوفياتية، ما ترك الآلاف من القتلى في كلا الجانبين. كان وزير الخارجية الألماني فرانك فولتر شتينماير قد وصف أوكرانيا بأنها "مرجل" لا ينبغي أن يسمح له المرء بالاشتعال. ومهما يكن واقع الحال، فإن إضفاء صبغة الرومانسية على الثورة يمكن أن يفضي فقط إلى "فرقعة كبيرة" بتداعيات ستمتد حتماً مسافات بعيدة خارج حدود أوكرانيا.