«التدريس الخصوصي».. مهنة الأسرار السوداء
جفرا نيوز - فارس الحباشنة
قلما تصطدم بـ»ولي أمر» لطالب في التعليم الاساسي او الثانوي، لا تجده يتحدث عن الدروس الخصوصية، وقلما تمر من شارع لا يحتوي على «يافطات» لاعلان او اكثر عن مدرسين يرغبون في اعطاء «درورس خصوصية» في مختلف المساقات، وخصوصا لطلاب الثانوية العامة.
«التدريس الخصوصي» تحول لكثير من المدرسين عملا اضافيا مضنيا، يحل عقدة الراتب الحكومي الذي يقولون انه لا يسد رمق الجوع، ولا يوفر ابسط الحاجات المعيشية للفرد وعائلته، في ظل ظروف اقتصاد صعبة ومضنية يعاني منها المواطن الاردني.
مهنة «التدريس الخصوصي» لها عالمها الخاص، كانت في وقت مضى يشتد الطلب عليها عند اقتراب موعد الامتحانات النهائية بمعنى ادق «موسمية»، اما اليوم، فان الطلاب يلتحقون بمساراتها منذ بدء العام الدراسي، وفي وقت مضى كان الطلاب يقتصر التحاقهم بمساقات «الرياضيات واللغة الانجليزية والفيزياء والكيمياء»، اما اليوم الطلبة يتلقون جميع المساقات عند مدرسي الخصوصي، حتى اللغة العربية والثقافة الاسلامية والثقافة العامة.
مدرسو الخصوصي خلال الاعوام الماضية لم يدركوا ان اهميتهم ستصل الى هذا الحد، بعضهم كان يعتبر التدريس الخصوصي مجرد مرحلة مؤقتة لحل مشاكلهم المالية والمعيشية، ولكن مع مرور الوقت تحولت الى مهنة موازية، لا بل رديفة يشكل مدخولها المالي المصدر الرئيسي للاعاشة.
بعض من مدرسي «الخصوصي»، رفضوا قبول تعيينهم في التعليم الحكومي، رغم مرور اكثر من 5 أعوام على تخرجهم، اختصروا الطريق، وتوجهوا الى «التدريس الخصوصي» واستقروا به، واخرون يقولون انهم تورطو بالتدريس الخصوصي «دون قصد»، وانه اتاهم على حين غفلة، حيث بدأت رحلتهم معه من خلال تدريس ابناء الجيران، ومن بعد تحولت الى مهنة رئيسية لتزايد الاقبال عليها، وما تحققه من مداخيل مالية، ينعم المتورط بها في «حلاوة مالها» كما يصفون.
غمار العمل في «التدريس الخصوصي» مضنٍ وعسير، كما يروي المتورطون به، ويشيرون الى انهم احيانا يقضون يومهم كاملا يتنقلون من بيت الى بيت لاكمال الحصص الدراسية المطلوبة منهم، وبعضهم يبقى حتى منتصف الليل لاكمال مساقات الدروس للطلاب.
اجور التدريس الخصوصي، تراعي ايضا الفوارق الجغرافية في عمان والمحافظات، فمثالا تدريس طالب في منطقة من عمان الغربية تكلفته تختلف طبعا عن طالب من شرق عمان، وان كان المساق التدريسي متشابه، ومستوى الطلبة ايضا متشابه، وربما هي اعتبارات لفروق راسخة في عقلية ولي الامر والمدرس الخصوصي ايضا.
«الوصف الايجابي» للتدريس الخصوصي، يجمع عليه مدرسون كثر تحدثت «الدستور» معهم، فهم يرون ان مداخليه وفيرة، ويصعب عليهم هجرة هذه المهنة حتى لو ان بعضهم ارتقى تحصيله العلمي وصار يحمل شهادة «الماجستير والدكتوراة» في اختصاصه، واخرين ترقوا ايضا اداريا في مجال عملهم في التربية والتعليم، وصاروا رؤساء اقسام ومدراء.
في تتبع «الدستور» لمفاعيل هذا الملف الشائك والخطير وتدعياته طبعا السلبية على سلامة العملية التعليمية اصطدمنا بمعطيات مثيرة للانتباه، وربما ابرزها ان مدرسين من جنسيات عربية تقيم على اراضي المملكة بدأوا يقتحمون مهنة التدريس الخصوصي، ويعرضون خدماتهم بشكل معلن وخفي.. ما يطرح سؤالا مباشرا تواجه به وزارة التربية والتعليم ونقابة المعلمين.. اذا كان ذلك له تأثيرات سلبية مضاعفة على الطلبة وتعليمهم.
ملفات كثيرة فتحها وزير التربية والتعليم الدكتور محمد الذنبيات، ولكن «التدريس الخصوصي» بقى في دائرة النسيان، ويبدو ان الحاجة اليوم اكثر الحاحا وضرورة على نبش اسرار هذا الملف، ومواجهته بسياسات وقائية تضبط مسار العملية التعليمية برمتها وبكامل اركانها.
فما جرى خلال العام الدراسي الجاري من اعادة اعتبار لهيبة امتحان التوجيهي، لامس الاردنيون حجم فوارقه، يدفع للتفكير بجرأة اكثر لمواجهة بقية مركبات العملية التعليمية التي باتت بحاجة لأن تمتد اليها ايدي الاصلاح والتغيير البيضاء.
الدستور