القمة، ليست دائماً على بصيرة

جفرا نيوز - كتب نصوح المجالي عندما احتدمت الحرب الاهلية اللبنانية، عام 1975، انعقدت قمة عربية، وبضغط من سوريا وحلفائها آنذاك، اتخذت قراراً بتدخل قوات عربية في لبنان، شاركت فيها بشكل رئيسي القوات السورية، وبعض الوحدات من دولة الامارات والتي سُحبت سريعاً، ومهد القرار، لهيمنة سوريا على لبنان، طوال ثلاثة عقود، استطاعت سوريا فيها ان تحول لبنان الى قاعدة للنفوذ الايراني، وان تغير قواعد التوازن السياسي في لبنان والمنطقة. كانت قرارات القمة تلك، مفتاح الدور الايراني السوري الذي تعاني المنطقة اليوم مما ترتب عليه، فالقمة ليست دائماً على بصيرة بالاهداف الخفية. وفي الازمة السورية، الحالية يتكرر موقف مشابه، تحت عنوان نصرة الشعب السوري وثورته، فهناك تيار سلفي، يجري تأهيله ودعمه من دول في المنطقة لاحلاله مكان الانظمة والاحزاب العربية ، تحت عنوان ثورة الربيع العربي، ويجرى تسويقه على دول الغرب كالاكثر اعتدالاً، وحرصاً على المصالح الدولية، وقبولاً للديمقراطية، لازالة الشكوك والتردد لذي يراود دول الغرب من التنظيمات الدينية في الشرق الاوسط. الامر كله ملتبس ، فالقوى او الجهات العربية التي تدفع نحو هذا التغيير تحت عنوان الثورة، ليست دولاً ثورية، وهي اقرب للنظم التقليدية، والتقدم بمعناه الديمقراطي ليس من اولوياتها، لقد تم استعجال احلال الائتلاف الوطني السوري، رغم عدم تماسك بنيته حتى الآن، محل النظام السوري في الجامعة العربية ، الامر الذي يخدم الثورة السورية معنوياً، وييسر لها الدعم المادي والسياسي ، لكنه قد يحصرها في طريق الصراع العسكري، فمزيد من السلاح لن يقرب الحل السياسي، وقد يؤجج الصراع الدولي على سوريا، ويزيد من الدمار والقتل خاصة وان موقف النظام السوري على الصعيد العسكري ما زال قوياً ولم يبدي استعداداً للمهادنة. اما مقولة ان الاعتراف بالثورة، كحكومة شرعية في سوريا قد يسهل مساندة الدول لها، فلا تخفي الدعوة لتدخل دول الغرب لتسليح المعارضة السورية، او التدخل العسكري المباشر في مرحلة لاحقة كما حدث في ليبيا، رغم عدم وضوح الموقف الغربي وعدم تماسكه في نصرة الثورة السورية. لقد اكتفى العرب، على مدى عامين، بالدعم المادي المحدود الذي بالكاد يوقف الثورة السورية على اقدامها، مع ان مخازن الجيوش العربية متخمة بالذخائر والاسلحة، وبعض الدول العربية تستبدل كل بضع سنوات معظم اسلحتها للتحديث، ويطمر اكثر ما يستبدل في رمل الصحراء. كان يمكن للعرب تقديم العون العسكري للثورة السورية مبكراً قبل ان يطغى النظام السوري كل هذا الطغيان ويحدث كل هذا القتل والدمار في سوريا ، فالاسلحة لدى العرب متوفرة والحدود باتت مفتوحة مع دول الجوار، وهناك قرار من الجامعة العربية يبيح لمن يريد مساعدة الثورة بالسلاح، لكن مواقف الدول العربية ايضاً، متفاوتة من الثورة السورية. كنا نتمنى ان تتبنى قمة الدوحة بياناً سياسياً يصدر عن قوى الثورة السورية مجتمعة يوضح هوية الثورة السورية واهدافها ومبادئها، ورؤيتها للتغيير والاصلاح السياسي والاجتماعي الذي تسعى لتحقيقه في سوريا، كموقفها من الدولة المدنية، والتعددية الديمقراطية، والمشاركة الشعبية لجميع اطياف المجتمع ورفض هيمنة طيف او تيار سياسي او ديني او طائفي على الدولة السورية وان يكون دعم الثورة السورية عربياً مرتبط باهداف واضحة لنبذ الطائفية والتسلط السياسي والديني ونبذ الانتقام حتى لا تدخل سوريا في مفاجآت كما حدث في مصر وتونس تقود سوريا والمنطقة الى متاهة ، تستغلها جماعات طامعة بالاستئثار بالحكم. اذا لم تتغير سوريا باتجاه ديمقراطية تعددية عصرية تؤلف بين جميع اطياف الشعب السوري ومكوناته، وتحفظ حريته وعروبته وحرية الاديان فيه، ستصبح لغماً موقوتاً سينفجر فيما حوله وما يصيب سوريا شمالاً، قد يصيب امتدادها جنوباً اي الاردن وفلسطين، وامتداها غرباً لبنان. ولنا في الأردن ان نخشى لاننا نرى المقدمات رأي العين في ساحات الاخرين حولنا، فهناك تيار واحد يتسلل ويتمكن من خلال ثورات الربيع العربي على حساب كافة القوى الاخرى، وكافة الانظمة العربية. نحن لا نختلف على ضرورة نصرة الشعب السوري ونصرة ثورته لكننا نخشى من انتقال السلطة في سوريا الى قوى اشد استبداداً وأكثر عداء للديمقراطية والمشاركة والتعددية السياسية والحرية. سوريا واسطة العقد في المشرق العربي، ومهد حركة النهضة العربية الحديثة، واستقرار الديمقراطية فيها سيعني استقرارها في المشرق العربي باسره، اما جرها نحو صراعات سلفية او طائفية فسيحولها الى بركان يقذف حممه، على دول المنطقة، عندها سيصبح ما بعد سقوط النظام السوري اسوأ مما قبله على سوريا والمنطقة. نخشى من مقاولي الثورات العرب في الربيع العربي ، ونخشى ان يتكرر ما حدث في لبنان عام 1975، عندما اصبحت قرارات القمة، اداة في يد من استغلوا العمل العربي لخدمة مشروع باطني يخدم اغراضهم ولم يدرك احد نتائجه المستقبلية. لا نريد لسوريا ان تُزج في صراعات شبيهة لما حدث في افغانستان والعراق، نريد للقوى الحرة والديمقراطية في سوريا ان لا تُخذل وتُعزل كما عُزل غيرها، فور سقوط النظام السوري، وان تكون الديمقراطية التداولية مظلة الجميع في سوريا. نريد لسوريا وشعبها ان يدفعا المنطقة نحو الحرية والديمقراطية، والحداثة وليس نحو الصراعات التاريخية التي انهكت الامة وعفى عليها الزمن. لسنا مع النظام الاسدي، ولكننا ايضاً لسنا مع نظام بديل او فوضى اسوأ منه.