النقابات تلجأ لخبرات الضمان
في ظل التحديات المالية التي تواجه صناديق التقاعد في النقابات المهنية، برز خلال السنوات الأخيرة توجه متزايد نحو الاستعانة بالخبرات الاكتوارية للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بوصفها مرجعية وطنية متخصصة في إدارة أنظمة التأمينات الاجتماعية طويلة الأمد.
ويأتي هذا التوجه بعد تراجع طرح سابق قدمته بعض النقابات قبل سنوات، كان يقضي بضم صناديقها التقاعدية إلى مظلة الضمان الاجتماعي للتخفف من أعباء الرواتب التقاعدية، خصوصاً مع بدء تعثر بعض تلك الصناديق. إلا أن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي رفضت هذا الطرح بشكل متكرر في أكثر من مناسبة، وأعادت التأكيد عليه مجدداً خلال لقائها الأخير مع نقابة الصيادلة، مشددة على عدم وجود أي توجه للاستحواذ على صناديق النقابات أو دمجها ضمن مظلتها. ولم يعد الاعتماد على خبرات «الضمان» محصوراً بنقابة واحدة، إذ شمل عدداً من النقابات، من بينها الأطباء والمهندسون وأطباء الأسنان، التي استعانت بالدراسات الاكتوارية التي أعدتها المؤسسة لإعادة هيكلة أنظمتها التقاعدية والتأمينية، بما يحقق توازناً بين الاستدامة المالية وعدالة المنافع.
وفي السياق ذاته، انضمت نقابة الصيادلة أخيراً إلى هذا المسار، من خلال فتح قنوات تعاون مع المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي لبحث مستقبل صندوق التقاعد، في خطوة تعكس إدراكاً متزايداً لحجم التحديات التي تواجه الصناديق النقابية.
وخلال لقاء جمع نقيب الصيادلة الدكتور زيد روحي الكيلاني مع مدير عام المؤسسة الدكتور جادالله الخلايلة، جرى بحث سبل تعزيز الاستدامة المالية لصندوق التقاعد، إلى جانب مراجعة الأنظمة التأمينية القائمة، لا سيما نظامي التقاعد والتأمين الصحي.
وأكد الكيلاني أن النقابة تتعامل مع ملف الصندوق باعتباره أولوية استراتيجية، مشدداً على التمسك باستقلالية القرار النقابي، بالتوازي مع الانفتاح على الخبرات الوطنية، وعلى رأسها مؤسسة الضمان الاجتماعي، للوصول إلى حلول عملية قابلة للتطبيق.
من جانبه، جدد الخلايلة التأكيد على موقف المؤسسة الرافض لفكرة الاستحواذ أو الدمج، موضحاً أن ذلك يواجه تحديات فنية ومالية معقدة، وهو ما يعزز في المقابل استقلالية الصناديق النقابية وقدرتها على إدارة شؤونها.
ويأتي هذا التأكيد في وقت تشهد فيه بعض الأوساط النقابية مخاوف من فقدان السيطرة على صناديقها، وهو ما نفته المؤسسة، مؤكدة أن دورها يقتصر على تقديم الدعم الفني والخبرة الاكتوارية.
ويجمع مختصون على أن التحدي لم يعد في إجراء الدراسات الاكتوارية بحد ذاتها، بل في ترجمة مخرجاتها إلى قرارات تنفيذية، قد تكون صعبة، مثل تعديل الاشتراكات أو إعادة هيكلة المنافع.
وفي هذا الإطار، شدد اللقاء بين «الصيادلة» و»الضمان» على أن الدراسات المنجزة سابقاً تعد كافية في هذه المرحلة، وأن الأولوية تكمن في اتخاذ قرارات مدروسة وجريئة بناءً عليها، بدلاً من إعادة إنتاج دراسات جديدة.
وتواجه صناديق التقاعد في النقابات المهنية تحديات متشابهة، أبرزها اختلال التوازن بين أعداد المشتركين والمتقاعدين، وارتفاع متوسط الأعمار، إلى جانب توسع الالتزامات التأمينية، ما يفرض الحاجة إلى إصلاحات هيكلية لضمان استمراريتها. ويرى مراقبون أن الاستفادة من خبرات «الضمان الاجتماعي» تمثل فرصة للنقابات لتبني نماذج أكثر كفاءة في الإدارة، خصوصاً في مجالات الاستثمار وإدارة المخاطر والتخطيط طويل الأمد. وفي المحصلة، يعكس هذا التوجه تحولاً في إدارة صناديق التقاعد النقابية، من الاجتهادات المحدودة إلى العمل المؤسسي القائم على أسس علمية، فيما تبقى الخطوة الحاسمة في ترجمة هذه الدراسات إلى قرارات إصلاحية توازن بين الحفاظ على المكتسبات وضمان استدامتها للأجيال المقبلة. الدستور - ايهاب مجاهد