"حين يصبح الانتماء اختبارًا لا خطابًا"


عوني ذنيبات 
في الأردن، لم تعد المشكلة في غياب الخطاب الوطني، بل في تضخّمه إلى حدّ فقدانه التأثير. في كلّ مناسبة، تتكرّر العبارات ذاتها عن الولاء والانتماء، بينما تكشف التفاصيل اليومية واقعًا مختلفًا؛ بطالة بين الشباب، شعور متزايد بالتهميش في الأطراف، وتراجع الثقة بجدوى الخطط الحكوميه. 
في محافظات الجنوب، من الكرك إلى الطفيلة ومعان، لا يُقاس الوطن بالكلمات، بل بقدر ما يصل من خدمات، وما يُتاح من فرص، وما يُلمس من عدالة. هناك، تبدو الفجوة أكثر وضوحًا بين خطابٍ يتحدّث عن الانتماء، وواقعٍ يختبر هذا الانتماء تحت ضغط الحاجة والانتظار الطويل. 
في المقابل، تبقى المؤسسة العسكريّة إحدى المساحات القليلة التي لا تزال تفرض معيارًا مختلفًا؛ حيث لا مجال للواسطة، ولا قيمة للشعارات، بل يُقاس الإنسان بقدرته على الالتزام والانضباط وتحمل المسؤولية. ولهذا، فإنّ كثيرًا من الشباب يرون في التجربة العسكرية نموذجًا واضحًا للعدالة الصارمة، حتى وإن كانت قاسية.
من هنا، تكتسب الدعوة التي طرحها سمو الحسين بن عبدالله الثاني بإعادة النظر في خدمة العلم بعدًا يتجاوز الشكل إلى المضمون. فالمسألة لا تتعلق بإعادة فرض خدمة، بل بإعادة بناء تجربة تُعيد وصل الشباب بالدولة على أساسٍ عمليّ، بعيدًا عن الخطاب النظري. 
غير أنّ هذا الطرح، على أهميته، يضعنا أمام سؤالٍ أكثر حساسية: هل يمكن لخدمة العلم وحدها أن تعالج خللًا أعمق في العلاقة بين المواطن والدولة؟ أم أنّها ستكون مجرّد إجراء إضافي إذا لم تترافق مع إصلاحاتٍ حقيقية في ملفات التشغيل، والعدالة، وتكافؤ الفرص؟
المشكلة الحقيقية ليست في غياب النماذج، بل في ازدواجيتها. فبينما تُقدّم المؤسسة العسكرية نموذجًا صارمًا قائمًا على الانضباط والمساءلة، لا يزال الواقع المدني يعاني من مظاهر الواسطة، وضعف المحاسبة، وتفاوت الفرص. وهذا التناقض يُربك مفهوم العدالة لدى الشباب، ويجعل من الصعب إقناعهم بأن الانتماء وحده كافٍ دون ضمان حدّ أدنى من الإنصاف.
وفي هذا السياق، فإنّ إعادة طرح خدمة العلم يجب أن تُفهم كجزء من رؤية أشمل، لا كحلّ منفصل. رؤية تعترف بأن بناء الانتماء لا يتمّ فقط عبر التدريب العسكري، بل عبر سياسات عادلة تُشعر المواطن بأن جهده مقدّر، وأن فرصه لا تُحدّدها علاقاته، بل كفاءته.
الأردن اليوم أمام لحظة مراجعة حقيقية: إمّا أن يستمر في إنتاج الخطاب ذاته، مع ما يحمله من فجوةٍ متسعة بين القول والفعل، أو أن ينتقل إلى مرحلةٍ تُعاد فيها صياغة العلاقة مع المواطن على أساسٍ أكثر وضوحًا وصرامة. وفي هذا التحوّل، قد تكون خدمة العلم أداة مهمّة، لكن قيمتها الحقيقية ستبقى مرهونة بقدرتها على أن تكون جزءًا من تغيير أوسع، لا بديلاً عنه.
في النهاية، لا يُقاس الانتماء بما يُقال في المناسبات، بل بما يتحمّله الناس في حياتهم اليومية. والسؤال الذي سيبقى حاضرًا، مهما تعدّدت المبادرات: هل يشعر المواطن أن هذا الوطن له فعلًا، أم أنّه مطالبٌ فقط بأن يثبت ذلك؟