"لا للانعزال".. الأردن حاضر في الإقليم

محمود خطاطبة

الأردن كان وما يزال وسيبقى، صاحب اليد الطولى في خلق مُبادرات لها علاقة بجمع الصف وتأكيد الانتماء العربي، ونستطيع القول بأن الأردن منذ تأسيسه وهو دائمًا يلعب دور «بيضة القبان»، والوسيط الموثوق في المنطقة، لما يتمتع به من موقع جيوسياسي حساس.

تتعالى أصوات تُنادي أو تُلمح إلى تبني «النهج الانعزالي»، وهو نهج غريب على الأردن المعروف بدبلوماسية «صوت العقل»، إذ لم يكن يومًا من الأيام «انعزاليًا أو مُنعزلًا» طوال عمر الدولة، إلا أن التطورات الأخيرة وما حصل في الأعوام الماضية، تُثير نوعًا من القلق، أو لنقل إنها تُشير إلى نوع من «التراجع»، سببه تغير موازين القوى وتحولاتها السياسية.

ونظرًا لحالة التشتت التي تشهدها المنطقة، والتي بات من الصعب على أعرق مراكز الدراسات والبحوث، على الرغم مما تمتلكه من خبرات علمية وعملية، التنبؤ بمُستقبلها.. لذا، أصبح لزامًا على الأردن إعادة تموضع نفسه (إعادة تموضع)، ومُراجعة إستراتيجياته وطرائقه الدبلوماسية، لا سيما تلك المُتعلقة بسياسته الخارجية على المُستويين الإقليمي والدولي.

ولنكن أكثر موضوعية ومهنية ونقول إنه يتوجب علينا إعداد خطط، وليس خطة واحدة، لكي تتيقن دول الإقليم بشكل خاص، كما كانت دومًا، من أننا ما نزال نُشكل رقمًا صعبًا.. وهُنا، أستحضر مقولة للكاتب اللبناني ناصر قنديل عندما قال، إبان الحرب الإسرائيلية الهمجية على قطاع غزة خلال العامين الماضيين، «إن أهم شارعين في تشكيل أحداث المنطقة هما: الشارع الأردني والشارع الأميركي»، في إشارة منه إلى أن الغرب بشكل عام ينظر إلى الأردن على أنه رقم صعب في المعادلة الإقليمية.

 تكتسب عملية إعادة التموضع أو إعداد خطط، أهمية بالغة، في ظل تسارع الأحداث الإقليمية، وما قد يتبعها من أحداث في المُستقبل القريب على المنطقة ككُل، وما يُرافق ذلك من انقسامات مُتكررة، واصطفافات أصبحت السمة الأبرز للمشهد الراهن.
والنقطة الأخيرة (الاصطفافات)، هي صلب الموضوع أو أهم نقطة فيه، خصوصًا إذا ما نظرنا إلى الحماية الأميركية لربيبتها (دولة الاحتلال الإسرائيلي)، وكأن الباقي لا يهمها أبدًا.. في حين نرى كُلًا من روسيا والصين غير معنيتين لا بحليف ولا بصديق، فهاتان الدولتان همهما الرئيس هو ما يتحقق لهما من مكاسب على أكثر من صعيد، والموقف الأوروبي ليس أحسن حالًا.

الأردن، الذي يُطلق عليه منذ زمن بأنه «واجهة آمنة للحوار»، مدعو اليوم لتعزيز دوره في بناء تفاهمات إقليمية جديدة؛ وهي مُهمة مُيسرة في ظل احتفاظ المملكة بعلاقات إيجابية ومتوازنة مع دول الخليج، وكذلك مُعظم دول الإقليم، مما يؤهلها لصياغة، أو لنقل «تجويد»، تفاهمات تخدم المصالح الوطنية على المديين المُتوسط والبعيد.