كيف قاومت أسواق النفط العالمية الانفجار؟
لما جمال العبسه
بدا مشهد اغلاق مضيق هرمز وكأنه مقدمة لانفجار أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، ومع تتبع حالة أسواق النفط العالمية خلال فترة اغلاق ايران لهذا المضيق أظهرت الأسواق قدرة لافتة على امتصاص الصدمة، هذا الامر لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مزيج معقد من أدوات العرض والطلب والسياسة، جعل الأسعار تكافح كي لا تتجاوز حاجز 120 دولاراً للبرميل حتى اللحظة، مخالفة بذلك التوقعات التي كانت تشير إلى انفجار الأسعار نحو مستويات قياسية.
في متابعة لنهج الاسواق العالمية والاجراءات الدولية التي تم اتخاذها للحد من الانفجار، نجد ان أحد أبرز عوامل التوازن التي حققتها هذه الاسواق تمثل في السحب المنسق من المخزونات الاستراتيجية، حيث أعلنت وكالة الطاقة الدولية ضخ نحو 400 مليون برميل، فيما لعبت الصين واليابان دوراً حاسماً عبر الإفراج عن احتياطيات ضخمة تجاوزت المليار برميل في حالة الصين، و80 مليون برميل في حالة اليابان، هذه الخطوات وفرت مظلة أمان مؤقتة، منحت الأسواق فسحة للتكيف مع الأزمة، الا ان هذه الخطوة ليست مستدامة، إذ إن استنزاف المخزونات سيعيد الضغوط بقوة في حال استمرار الأزمة.
في الوقت ذاته، ساهمت عودة الإمدادات الروسية بعد تخفيف جزئي للعقوبات الأمريكية في تعزيز المعروض، بينما أظهرت إيران مرونة عبر ما يُعرف بـ»أسطول الظل»، الذي تمكن من تمرير أكثر من عشرة ملايين برميل بين 13 و21 نيسان رغم الحصار البحري، وهذه التدفقات غير الرسمية قلصت فجوة العرض، وأكدت أن العقوبات وحدها لا تكفي لشل صادرات النفط الإيراني.
كما لعبت البدائل الأخرى دوراً مهماً في تجاوز اختناق هرمز، من خلال خطوط أنابيب مثل شرق–غرب السعودي بطاقة سبعة ملايين برميل يومياً، وخط كركوك–جيهان العراقي نحو تركيا، وإلى جانب ذلك، لجأت الصين إلى مشاريع بديلة في الطاقة، مثل تحويل الفحم إلى غاز، لتقليل اعتمادها على النفط في لحظة حرجة.
لكن نجد ان التوازن لم يكن نتيجة العرض وحده، بل أيضاً بفعل تراجع تدريجي في الطلب العالمي، فإلغاء رحلات جوية وتباطؤ بعض الأنشطة الاقتصادية شكّل ما يُعرف بـ»تدمير الطلب»، وهو العامل الذي منع الأسعار من الاقتراب من حاجز 120-130 دولاراً، وأبقى السوق في حالة مقاومة للصعود الكبير.
اضافة الى أننا لا يمكن ان نتجاهل السياسة التي كانت في قلب المشهد، حيث لعبت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتذبذة دوراً مباشراً في ضبط إيقاع السوق، فكلما اقترب النفط من حاجز 110 دولارات، صدرت رسائل تهدئة تعيده إلى التسعينات، فيما كان أي تصعيد ميداني يعيد الأسعار إلى مسار صعودي، وهذا التفاعل اللحظي بين السياسة والأسواق أكد أن النفط لم يعد مجرد سلعة اقتصادية، بل أداة تفاوضية في صراع الإرادات..
بشكل عام، امتصت السوق الصدمة عبر مزيج من السحب من المخزونات، تدفقات بديلة من روسيا وإيران، استخدام خطوط أنابيب جديدة، اللجوء إلى بدائل طاقة، تراجع الطلب، والتدخلات السياسية، لكن هذا التوازن يبقى هشاً، فمع استمرار حالة اللا حرب ولا سلم سيؤدي ذلك إلى استنزاف تدريجي للمخزونات، ما قد يدفع الأسعار نحو مستويات أعلى تقترب من 150 دولاراً. أما في حال التهدئة أو نجاح المفاوضات، فقد تعود الأسعار إلى نطاق أكثر استقراراً بين 80 و90 دولاراً، وهو ما يعتبره البعض السعر العادل الذي يوازن مصالح المنتجين والمستهلكين.
الأزمة الحالية تكشف أن الأسواق العالمية لم تعد رهينة الصدمات وحدها، بل أصبحت تمتلك أدوات لامتصاصها، من الاحتياطيات إلى إدارة التوقعات، ومع ذلك، فإن هشاشة هذا التوازن تعني أن أي تصعيد مفاجئ قد يعيد سيناريو القفزات الحادة إلى الواجهة في أي لحظة، مما جعل العالم اليوم أمام معادلة معقدة .. أسعار مرتفعة ستلازم الاقتصاد العالمي لعامين أو ثلاثة على الأقل، في ظل حرب اقتصادية تتجاوز حدود الجغرافيا، وتعيد رسم ملامح سوق الطاقة الدولية.