كيف حدث هذا، هل حقاً تدهور «الجنون»؟

حسين الرواشدة

 كيف يمكن «لأب» أن يتنازل عن أبوته ويقتل أبناءه دون ان يرفّ له جفن، او «لأم» ان تتجرد من أمومتها فتطوع لها نفسها قتل ابنائها فلذة كبدها، كيف يمكن «لابن» أن يوجه رصاصاته القاتلة تجاه والده الذي ربّاه، او لزوج ان يتجرأ على قتل زوجته وامها ويكاد يلحق بهما «حماه» لولا قدر الله، كيف يمكن لأحدنا أن يتصور هذه الجرائم التي غالبا ما ترتكب بدم بارد في اطار الاسرة الواحدة، وتسجل في أروقة القضاء برسم «المحاكمة» دون ان تهز موازيننا الاجتماعية وتدقّ بقوة على جدراننا التي ما تزال صامتة.

لا أفهم لماذا يحدث هذا، هل هو «الجنون»،؟ لو كان كذلك لوجدنا له في «قواميس» علم النفس ما يفسره، هل هو القسوة التي اجتاحت مجتمعاتنا فولدت فيها الاحقاد والضغائن وفسائل الكراهية، هل هو اليأس الذي أطبق على بعضنا فانتهى به الى الانتقام من كل شيء، حتى ولو كان اعز ما يملك؟ حقا لا ادري، لأن هذه «الجرائم» أكبر من ان تدرج في سياقات الفهم والتفسير وفق قواعد «الانحرافات» السلوكية التي عرفناها.

 الصور التي عهدناها للامراض النفسية والعقلية - كما يقول د. محمد المخزنجي طبيب الامراض النفسية - يبدو انها تغيرت جدا عما ألفناه في العقود الماضية، كيف؟ هنالك اعراض اختفت تماما من ساحة هذه الامراض وظهرت اعراض اخرى، هذه اصبحت مزيجا غير متجانس من الذهانات المختلطة والاكتئابات وحالات الهلع، كيف مرة أخرى؟ طغيان الاكتئاب والهلع وفقر النسيج البلاغي في الامراض النفسية مؤشرات على «تدهور» الجنون، حتى الجنون في مجتمعاتنا تدهور؟

 نحن لا نتحدث عن جرائم قتل عادية، وانما عن جرائم غير طبيعية اصبحت تتصاعد - للأسف - في مجتمعنا، ومن واجبنا ان ندق ناقوس الخطر لأنه لا يعرف احد منا فيما اذا كان في يوم من الايام «ضحية» لمثل هذه الجرائم، سواء كان قاتلا أم مقتولا، كما ان من حقنا ان نفهم لماذا يحدث ذلك، وكيف، وهذا الحق ليس متعلقا بالعقاب وتفاصيل الجريمة، وانما في المعرفة النفسية والاجتماعية، وفي معرفة كيف يمكن ان «نقي» أنفسنا منها، او نواجهها بما يلزم من معالجات.

 ان قسوة هؤلاء الذين دفعتهم انحرافاتهم النفسية او اضطراباتهم العقلية او ظروفهم الاقتصادية الى فعل ما نستنكره، لا تقل – ابدا – عن قسوة المجتمع الذي خرجوا منه وعليه، كما ان خيبتنا بهم لا تقل – ايضا – عن خيبتهم بنا، واذا كانوا بحكم التشريعات والاعراف قد اصبحوا مجرمين يستحقون العقاب، فان خطأنا بحق السكوت عن «التربة» التي اخرجتهم والمقدمات التي استقوا منها ما آلوا اليه من نتائج، ربما لا يقل بحال عن خطئهم.

 اكيد، نحتاج الى انشاء «مرصد نفسي واجتماعي» يتولى بحث واستقصاء هذه الظاهرة الغريبة، ويضع للمسؤول - حيثما كان - ما يلزم من تصورات واجراءات، لفهمها والتعامل معها..، فما يحدث - كما قلت سلفا - يبدو خارج سياق التصور والتفسير والادراك.. واخطر ما فيه انه يعبر عن تحولات أصابت مجتمعنا وأوصلته الى هذه النتيجة.